د. فاضل حسن شريف
جاء في موقع دار السيدة رقية عليها السلام للقرآن الكريم عن الفساد في المفهوم القرآني للكاتب مصطفى الشيخ عبد الحميد المرهون: أسبابه: السبب الاول: عبادة غير الله: يقول تعالى: “لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يِصِفُونَ” (الأنبياء 22) والضمير في: (فيهما) راجع إلى السماء والارض (يعني في السماء والارض آلهة، أي من يحق له العبادة (غير الله لفسدتا)، لانه لو صح إلاهان أو آلهة لصح بينهما التمانع، فكان يؤدي ذلك إلى أن أحدهما إذا أراد فعلاً وأراد الاخر ضده، إما أن يقع مرادهما، فيؤدي إلى اجتماع الضدين أو لا يقع مرادهما، فينتقض كونهما قادرين، أو يقع مراد أحدهما، فيؤدي إلى نقض كون الاخر قادراً، وكل ذلك فاسد، فإذاً لايجوز أن يكون الاله إلاّ واحداً. ثم نزّه تعالى نفسه عن أن يكون معه إله يحق له العبادة، بأن قال: “فَسُبحَانَ الله رَبِّ العَرشِ عمّا يَصِفُونَ” (الأنبياء 22)، وانما أضافه إلى العرش لانه أعظم المخلوقات، ومن قدر على أعظم المخلوقات كان قادراً على ما دونه. قال الرماني: (إِلاَّ) في قوله: (إلاَّ اللهُ) صفة، وليست باستثناء، لانك لا تقول: لو كان معنا إلا زيد لهلكنا على الاستثناء، لان ذلك محال، من حيث أنك لم تذكر ما تستثني منه كما لم تذكره في قولك: كان معنا إلا زيد، فهلكنا. قال الشاعر: وكلُ أخ مفارِقُهُ أخوهُ لعمرُ أبيكَ إلاّ الفرقدانِ. أراد: وكل أخ يفارقه أخوه غير الفرقدين). (إن النزاع بين الوثنيين والموّحدين ليس في وحدة الاله وكثرته، بمعنى الواجب الوجود الموجود لذاته، الموجد لغيره، فهذا مما لا نزاع في أنه واحد لا شريك له، وانما النزاع في الاله بمعنى الرب المعبود، والوثنيون على أن تدبير العالم على طبقات أجزائه مفوضة إلى موجودات شريفة، مقرَّبين عند الله ينبغي أن يعبدوا حتى يشفعوا لعبّادهم عند الله ويقرّبوهم إليه زلفى كرب السماء ورب الارض ورب الانسان وهكذا، وهم آلهة من دونهم، والله سبحانه إله الالهة، وخالق الكل كما يحكيه عنهم قوله: “وَلَئن سَأَلتَهُم مَّن خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللهُ” (الزخرف 87)، وقوله: “وَلَئِن سَأَلتَهُم مَّن خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ” (الزخرف 9). والاية الكريمة إنما تنفي الالهة من دون الله في السماء والارض بهذا المعنى، لا بمعنى الصانع الموجد، الذي لا قائل بتعدده، والمراد بكون الاله في السماء والارض تعلّق اُلوهيته بالسماء والارض، لاسكناه فيهما، فهو كقوله تعالى: “وَهَوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إلَهٌ وَفِي الارضِ إِلَهٌ” (الزخرف 84). وتقرير حجة الاية: أنه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتاً، متبائنين حقيقة، وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم فتتفاسد التدبيرات، وتفسد السماء والارض لكن النظام الجاري نظام واحد متلائم الاجزاء في غاياتها، فليس للعالم آلهة فوق الواحد، وهو المطلوب. فإن قلتَ: يكفي في تحقق الفساد ما نشاهده من تزاحم الاسباب والعلل، وتزاحمها في تأثيرها في المواد هو التفاسد. قلتُ: تفاسد العلتين تحت تدبيرين غير تفاسدهما تحت تدبير واحد، ليحدّد بعض أثر بعض، وينتج الحاصل من ذلك، وما يوجد من تزاحم العلل في النظام من هذا القبيل، فإن العلل والاسباب الراسمة لهذا النظام العام ـ على اختلافها وتمانعها وتزاحمها ـ لا يبطل بعضها فعالية بعض، بمعنى أن ينتقض بعض القوانين، الكلية الحاكمة في النظام ببعض، فيتخلف عن مورده مع اجتماع الشرائط وارتفاع الموانع، فهذا هو المراد من إفساد مدبر عمل مدبر آخر، بل السببان المختلفان المتنازعان حالهما في تنازعهما حال كفتي الميزان المتنازعتين بالارتفاع والانخفاض، فإنهما في عين اختلافهما متحدان في تحصيل ما يريده صاحب الميزان، ويخدمانه في سبيل غرضه، وهو تعديل الوزن بواسطة اللسان. فإن قلت: آثار العلم والشعور مشهودة في النظام الجاري في الكون، فالرب المدبر له يدبره عن علم، واذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يفرض هناك آلهة فوق الواحد، يدبرون أمر الكون تدبيراً تعقلياً، وقد توافقوا على ألاّ يختلفوا ولا يتمانعوا في تدبيرهم حفظاً للمصلحة؟ قلت: هذا غير معقول، فإن معنى التدبير التعقلي عندنا هو أن نطبّق أفعالنا الصادرة منا على ما تقتضيه القوانين العقلية الحافظة، لتلائم أجزاء الفعل وانسياقه إلى غايته، وهذه القوانين العقلية مأخوذة من الحقائق الخارجية، والنظام الجاري فيها الحاكم عليها، فأفعالنا التعقلية تابعة للقوانين العقلية وهي تابعة للنظام الخارجي. لكن الرب المدّبر للكون فعله نفس النظام الخارجي المتبوع للقوانين العقلية، فمن المحال أن يكون فعله تابعاً للقوانين العقلية وهو متبوع، فافهم ذلك. فهذا تقرير حجة الاية، وهي حجة برهانية مؤلفة من مقدمات يقينية تدلّ على أن التدبير العام الجاري ـ بما يشتمل عليه ويتألف منه من التدابير الخاصة ـ صادر عن مبدأ واحد غير مختلف).
حارثة التيمي: (كان حارثة بن بدر التيمي ـ من أهل البصرة ـ قد أفسد في الارض وحارب، وكلَّم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له عليّاً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فأتى عليّاً فقال: ياأمير المؤمنين ماجزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً ؟ قال: (أن يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض) ثم قال: (إلا الذين تابو من قبل أن تقدروا عليهم). فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر؟ فقال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن ؟ قال: (نعم). قال: فجاء به إليه فبايعه وقبل ذلك منه وكتب له أماناً) النتيجة الثانية: حرمان الحب الالهي. ويعتبر حرمان الحب الالهي من النتائج السيِّئة للفساد، إذ هو من علامات عدم رضا الخالق سبحانه وتعالى، ودليل على نقمته، وهذا ما أحسَّ به قوم قارون عندما طغى وتمرَّد، فقدَّموا له النصائح الخمس، الواردة في قوله تعالى: (وابتغِ فيما آتاك اللهُ الدارَ الاخرةَ ولاتنسَ نصيبك من الدنيا وأحسنْ كما أحسن اللهُ إليكَ ولاتبغِ الفسادَ في الارض إنّ الله لايحب المفسدين” (القصص 77). “وكان قارون من بني إسرائيل، لانه من قوم موسى. وقيل: ابن عمه. وهو واضع اُسس الـرأسمالية المستبدَّة أو ممثِّلها، لانه احتكر المال، وتسلَّط على قومه مبرِّراً ذلك بقوله: (إنما اُوتيـتهُ عـلى علم عندي” (القصص 78) وهذا هـو المذهـب الاقـتصادي القائل: الفرد أولاً والمجتمع ثانياً). هذا وقد قدَّم له قومه النصيحة الخامسة، ناهين إيّاه عن الفساد الَّذي يعني الجور والخيانة، والتكبر والتجبر، والعيش في الاسراف والبذخ.
عن موقع الجزيرة كيف حارب القرآن الكريم الفساد بأوجهه المختلفة؟ للكاتب فوزي بن حديد: وفي الجانب الاقتصادي، نرى مدين وأصحاب الأيكة الذين أمرهم النبي الكريم شعيب أن لا يبخسوا الناس حقوقهم، ولكنهم أصروا على موقفهم طمعا وجشعا وحبّا في الربح على حساب الناس وحقوقهم، فجاءهم العذاب من حيث لا يشعرون فانظروا إلى هذه الآيات التي تصوّر المشهد: “كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُون فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ”. وبعد هذه الأمثلة الدامغة في القرآن الكريم، يتواصل المشهد حتى مع أمّة محمد عليه الصلاة والسلام في كل زمن وفي أي مكان إذا اتبعت أساليب الأمم السابقة، وليس هناك شيء يمنع المولى تبارك وتعالى من أن يعاقب الناس على مخالفاتهم بعد التنبيه والتذكير، لذلك كان الكتاب المبين واضحَ المنهج في هذه القضية، حيث يؤكد أن الإنسان قد يخطئ وهذا وارد جدا ولا يعاقَب على خطئه، بل من الظلم الشديد معاقبته على خطئه دون إعطائه فسحةً من الوقت للتأمل والمراجعة والمحاسبة، فكان أولا يأتي النهيُ الشديد وبيان آثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، ثم يأتي التذكيرُ بالأمم التي أصابها العذاب بعد أن أصرّت على المعصية، وبعد أن عارضت أنبياءها، واستمرأت المعصية واستخفت بالكتب المنزلة، فإذا تاب الإنسان من ذنبه قبِل الله توبته، وإذا تجاهل كل ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه مما أصابه وما سيصيبه، لأن الله تبارك وتعالى يُمْهل ولا يُهْمل. وعلى هذا فإن الفساد المستشري في كل بقاع العالم مهما كان وجهه سيواجه بالتذكير من المصلحين، ولن يعاقب الله تعالى -وحاشا لله ذلك- إنسانا يجهل الحكم أو أخطأ لأول مرة، والدليل القرآن الذي بين أيدينا، لكن الذي يتمادى في خطئه ويحرص على تحدي الخالق عز وجل سواء بالاستهزاء من حكمِه أو الاستخفاف بشرعِه، أو تجاهل عذابِه، فإن الردّ الإلهي قادم لا محالة عاجلا أو آجلا، ولن يكون أحد بمنأى من عذاب الله تعالى، نسأل الله السلامة.