رمضان شهر القرآن (ح 98) (مفهوم الاختلاس في التلاوة)

د. فاضل حسن شريف

الاختلاس في التلاوة هو خطف الحركة (الضمة أو الكسرة أو الفتحة) وسرعة النطق بها بحيث يذهب قليلها ويبقى كثيرها (نحو ثلثيها)، وهو ضد الإشباع. يُعرف أيضاً بـ “الإخفاء” أو “الاختطاف”، ويكون في الحركات الثلاث في الوصل والوقف، وهو من أحكام التجويد الدقيقة التي تنقل بالتلقي والمشافهة. أهم تفاصيل ومفاهيم الاختلاس: الكيفية: الإتيان بثلثي حركة الحرف، بحيث يكون المنطوق به أكثر من المحذوف. الفرق بين الاختلاس والروم: الاختلاس أعمّ؛ فهو في الحركات الثلاث ويكون في الوصل والوقف، والثابت فيه أكثر من المحذوف، بينما الروم أخص (لا يكون في المفتوح والمنصوب)، والثابت فيه أقل من المحذوف. أمثلة: كسرة الهمزة في “بارِئِكُمْ” (البقرة 54). ضمة الراء في “يَأْمُرُكُمْ” (البقرة 67). ضمة الراء في “يَنْصُرْكُمُ” (آل عمران 160). كسرة النون في “نَعِمَّا” (البقرة 271). الهدف: التخفيف في القراءة دون إسكان الحرف بالكامل. يعد الاختلاس من اللحون الخفية التي تحتاج إلى حذاق القراء لضبطها، وإهماله يعتبر إخلالاً برونق القراءة وتجويدها. الاختلاس في علم التجويد هو خطف الحركة بسرعة، حيث يُؤتى بثلثيها ويحذف ثلثها، بحيث يتبقى معظم صوت الحركة ويذهب أقله، ويسمى أيضاً الإخفاء. يختلف عن الروم الذي يكون فيه المثبت أقل من المحذوف. الاختلاس يكون في الحركات الثلاث (الفتح، الضم، الكسر) وصلاً ووقفاً، ولا يُضبط إلا بالتلقي والمشافهة. أبرز مواضع الاختلاس في القرآن (رواية حفص وغيره): “نَعِمَّا” في البقرة والنساء: اختلاس كسرة العين. “لَا تَعْدُوا” في النساء: اختلاس فتحة العين. “يَخِصِّمُونَ” في يس: اختلاس فتحة الخاء. “لَا يَهِدِّي” في يونس: اختلاس فتحة الهاء. “بَارِئِكُمْ” في البقرة: اختلاس كسرة الهمزة. “يَأْمُرُكُمْ / يَنصُرْكُمْ” في البقرة وآل عمران: اختلاس ضمة الراء. الفرق بين الاختلاس والروم: الاختلاس: يذهب فيه ثلث الحركة ويبقى ثلثاها (صوت خفي). الروم: يذهب معظم الحركة (الثلثان) ويبقى أقلها (الثلث). الروم يكون في الوقف فقط، والاختلاس في الوصل والوقف. لا يُعتمد في الاختلاس على تقدير ذهني، بل هو من الأحكام الأدائية التي تُنقل بالتلقي والمشافهة.

جاء في الألوكة الثقافية عن عرض لرسالة في اختلاسات القراء للكاتب وليد سميح عبدالعال: معنى الاختلاس في الاصطلاح: فهو الأخذ من الحركة (الفتحة أو الضمة أو الكسرة) مما يحدث نشازًا في صوت الحرف فيؤدي إلى اختلال في نطقها قد يؤدي إلى تغيير المعنى والمبنى، وإن لم يتغير المبنى فإنه يخل برونق القراءة وبهائها. يقسم الشيخ بعد ذلك الاختلاسات إلى قسمين: قسم يتغير به المعنى، وقسم لا يتغير به، ويسرد أمثلة كثيرة طوفت في جل كلمات القرآن كما يقول الشيخ أبو رواش في تقريظه للكتاب. وقد استخدم الشيخ الفاضل طريقة الجداول في كتابه، وهذا مما ييسر البحث والاستيعاب ويقرب المادة فجزاه الله خيرًا. وهاك أمثلةً من القسم الذي يتغير به المعنى: (فَقَسَتْ) من سورة الحديد الآية (16) من قوله تعالي: “فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ” (الحديد 16). الخطأ: 1- دمج حرف الفاء في الفعل (قست) وجعله من بنية الكلمة. 2- اختلاس حركة الفتحة في القاف. الصواب: 1- فصل حرف الفاء عن الفعل (قست) في النطق. 2- تحقيق النطق بالفتحة في حرف الفاء. المعنى بعد النطق خطأ (نقلاً عن مختار الصحاح): فَقَسَ فُقُوسًا أي مات فجأة، والطائر وثب، وفلانًا عن الأمر فقسًا: رده أقبح الرد، والطائر بيضته كسرها ليخرج الفرخ، وفقس الطائر بيضته أفسدها. ومثل ذلك (فَتَرَى) في مواضعها وبالاختلاس تغير المعنى فتصير (فتر) من الفتور والتعب واللين. ومثل قوله (فسقى) وبالاختلاس تصير من فسق فسوقًا وليست من السقي، (وسعى) وبالاختلاس تصير من السعة وليس من السعي، و(ومضى) تصير من الومض وليس من المضي، و(فقعوا) تصير من فقع فقوعًا اللون، و(فنسوا) تصير من فنس فنسًا أي نمَّ.. وأورد الشيخ في هذا القسم تسعة عشر موضعًا يقع فيها الاختلاس مغيرًا المعنى. وأما القسم الثاني من الاختلاس الذي لا يتغير به المعنى فأورد فيه الشيخ مائة وستة وثلاثين موضعًا. من هذه المواضع: (ورَءَا) حيث وردت كما في قوله تعالى: “وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا” (وَكُلُوا) حيث وردت. (وَلَنَا) حيث وردت. (فَهُمْ) حيث وردت. (وَزِنُوا) حيث وردت. (نَعِدُهُمْ) حيث وردت.

جاء في الموسوعة الحرة: الاختلاس هو خطف الحركة حتى يذهب قليلها ويبقى كثيرها، وقد سماه العلماء الإخفاء أيضا، وقدروا المثبت من الحركة فيه بالثلثين والذاهب منها بالثلث أي الاتيان بثلثي حركة الحرف فيكون المنطوق به من الحركة أكثر مما ذهب منها. الرَوم الإتيان ببعض الحركة فيكون المثبت منها أقل من المحذوف. يشترك الاختلاس والروم في تبعيض الحركة وإخفائها أي ذهاب بعضها وبقاء بعضها الآخر فيذهب معظم صوتها في الروم، الثلثان، وثلث صوتها في الاختلاس فيسمع لها صوت خفي. الروم أخص والاختلاس أعم: فالروم لا يكون في المفتوح والمنصوب ويكون في الوقف دون الوصل، والمثبت من الحركة أقل من المحذوف؛ أما الاختلاس فيتناول الحركات الثلاث ويكون في الوقف والوصل، والمثبت في من الحركة أكثر من المحذوف.

جاء في الرابطة المحمدية للعلماء عن حقيقة الاختلاس والإخفاء والفرق بينهما للدكتور سمير بلعشية: فقد اختلف القراء في قراءة بعض الأحرف القرائية مثل:(نِعِمَّا) و(تَعَدُّوا) و(يَهَدِّي) و(يَخَصِّمُونَ) وغيرها؛ فمنهم من قرأها بحركة خالصة، ومنهم من أسكنها، وتوسط بعض القراء بين المذهبين، فنطقوا بها بين الإسكان المحض وبين الحركة الخالصة، وعبر القراء على هذا المذهب الأخير بمصطلحات متنوعة، قال ابن الجزري وهو يتكلم عن اختلاف القراء في كلمة (يَهَدِّي)): (.. فروى المغاربة قاطبةً وكثير من العراقيين عن أبي عمرو اختلاسَ فتحة الهاء، وعبر بعضهم عن ذلك بالإخفاء، وبعضهم بالإشمام، وبعضهم بتضعيف الصوت، وبعضهم بالإشارة). إلا أن أكثر هذه المصطلحات تداولا في كتب القراءات: الإخفاء والاختلاس. فذهب كثير من المحققين أنهما بمعنى واحد ولا فرق بينهما، قال الجعبري في شرح الحرز عند قول الشاطبي (وإخفاء كسر العين صيغ به حلا): (الإخفاء هنا يريد به: إخفاء الكسرة لا الحرف، فهو مرادف الاختلاس)، وقال عند قول الناظم (وأخفى العين قالون): (ثم خص قالون بالاختلاس المعبر عنه بالإخفاء)، وقال عند قول الناظم (وأخفِ حُلو برٍّ): (ومراده بالإخفاء الاختلاس)، وقال المنتوري بعدما ساق نصوصا عن المتقدمين: (قلت: عبارة المصنّفين للحروف بالاختلاس والإخفاء فيما تقدّم، معناها واحد). وقال ابن الجزري: (فروى المغاربة قاطبة إخفاء كسر العين ليس إلّا يريدون الاختلاس)، وقال: (وروى المغاربة عنه الاختلاس لحركة العين، ويعبّر عنه بعضهم بالإخفاء)، وقال: (فالروم عند القراء غير الاختلاس، وغير الإخفاء أيضا. والاختلاس والإخفاء عندهم واحد ولذلك عبروا بكل منهما عن الآخر كما ذكروا في: (أَرِنَا)، و(نِعِمَّا)، و(يَهَدِّي)، و(يَخَصِّمُونَ)، وربما عبروا بالإخفاء عن الروم أيضا كما ذكر بعضهم في تأمنا توسعا). وذهب آخرون إلى التفريق بينهما – حسبما يفهم من ظاهر عبارتهم -، قال أبو الطيب بن غلبون: (وقرأ ورش عن نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (أَمَّن لَّا يَهَدِّي) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، غير أن أبا عمرو يشم الهاء شيئا من الفتح دون فتح غيره ممن ذكرته في جملته، كذلك ذكره اليزيدي، وكذلك قرأت، وقرأ قالون عن نافع بفتح الياء وإخفاء حركة الهاء مع تشديد الدال) وكذا ذكر عند قوله تعالى (يَخَصِّمُونَ). وتبعه في التفريق بين اختلاس البصري وإخفاء قالون ابنه أبو الحسن، فذكرمثل ما ذكر أبو الطيب. واستغرب ابن الجزري هذا التفريق فقال: ( إلا أن أبا الحسن أغرب جدا في جعله اختلاس قالون دون اختلاس أبي عمرو، ففرّق بينهما فيما تعطيه عبارته في تذكرته. والذي قرأ عليه به أبو عمرو الداني الاختلاس كأبي عمرو، وهو الذي لا يصح في الاختلاس سواه).

ويستطرد الدكتور سمير بلعشية قائلا: قال مكي: (قرأ أبو عمرو وأبو بكر وقالون فنعما هي هنا وفي النساء بإخفاء حركة العين وكسر النون، وقد ذكر عنهم الإسكان، وليس بالجائز، وروي عنهم الاختلاس، وهو حسن قريب من الإخفاء)، وقال في التنبيه بعدما حكى وجه الإخفاء: (.. وقيل بالاختلاس وكلاهما قريب من الاخر). وقال: (قرأ قالون (أَمَّن لَّا يَهَدِّي) بإخفاء حركة الهاء . ومثله أبو عمرو، وقد ذكر عن أبي عمرو أنه إنما يختلس الحركة)، وذكر نحوه في الكلام على (يَخَصِّمُونَ). وعلق على كلامه الجعبري فقال: (لكنه جعل الإخفاء غير الاختلاس وهُوَ هو). فظاهر كلام مكي أن الاختلاس والإخفاء متقاربان في المعنى، وليسا مترادفين، إلا أن بينهما فرقا دقيقا، جعل كثيرا من القراء لا يعتبره، ويجعلهما شيئا واحدا، وقد بين المالقي هذا الفرق الدقيق فقال: ( وقد دار هذا الكلام على إخفاء الحركة واختلاسها، فلابد من معرفة الفرق بينهما؛ إذ ليسا مترادفين بل هما متقاربان، فاعلم أن الحرف إما أن يكون للحركة به تعلق أو لا يكون، فإن لم يكن للحركة به تعلق فهو الساكن، وإن تعلقت به الحركة، فإما أن يتعلق به بعضها أوكلها، فإن تعلق به بعض الحركة فهو الذي يسمى إخفاء الحركة، وهو القدر المنطوق به في الروم عند الوقف، وفي باب الإدغام الكبير، وفي “تأمنا” على اختيار الحافظ، وإن تعلقت الحركة كلها بالحرف، فإما أن تكون ممططة، أو غير ممططة، والممططة هي الممكنة المشبعة كالذي يستعمل في قراءة ورش، وحمزة، وغير الممططة هي المختلسة، أي: الحركة السريعة، وقد يقال في الحركة مشبعة، بمعنى أنها موصولة بحرف من جنسها كالضمة في ميم الجمع على قراءة ابن كثير، ويقال فيها مختلسة بمعنى أنها غير موصولة بحركة الهاءفي (عنه) و(منه) على قراءة غير ابن كثير، فحصل من هذا أن النطق ببعض الحركة هو إخفاء الحركة، والنطق بها غير ممطة هو اختلاسها، وأن الاختلاس أمكن من الإخفاء، والتمطيط هو الإشباع وهو أمكن من الاختلاس وليس بعده إلا إثبات الصلة زائدة على التمطيط، كما أنه ليس دون إخفاء الحركة إلا الإسكان. والله أعلم). وذكر نحو هذا التفريق الحلفاوي في شرحه على الدرر. وقد عرف الداني الحرف المختلس حركته فقال: (وأما المختلس حركته من الحروف فحقّه أن يسرع اللفظ به إسراعاً يظن السامع أن حركته قد ذهبت من اللفظ لشدة الإسراع، وهي كاملة في الوزن، تامةً في الحقيقة، إلا أنها لم تمطط ولا تُرسِّل بها، فخفي إشباعها ولم يتبين تحقيقها). وقال في تعريف المخفى: (وأما المرام حركته من الحروف عند الوقف أو في حال الوصل فحقه أن يضعّف الصوت بحركته، أيَّ حركةٍ كانت، ولا يتم النطق بها، فيذهب بذلك معظمها، ويسمع لها صويتٌ خفي، يدركه الأعمى بحاسة سمعه، وهو مع ذلك في الوزن محركٌ. وكذا حق المخفى حركته من الحروف سواءٌ، قال سيبويه: المخفى بوزن المظهر. وقال غيره: هو بزنته إلا أنه أنقص صوتاً منه. وحقيقته في اللغة السترة، ومن ذلك قوله تعالى: “إن الساعة آتيةٌ أكاد أخفيها”، أي أسترها. والمخفى شيئان حرفٌ وحركةٌ، فإخفاء الحرف نقصان صوته، وإخفاء الحركة نقصان تمطيطها). فظاهر قول الداني في التحديد أن هناك فرقا بين المخفى والمختلس من خلال تعريفهما، لكنه قال في في شرح الخاقانية: (وأما إخفاء الحركات: فهو اختلاسها وإسراع اللفظ بها من غير إذهابها بالتضعيف أصلا، وذلك عند النحويين متحرك في الزنة، إلا أن الصوت يضعف به تضعيفا، فربما أشكل على السامع فيظن أن ذلك الحرف مسكن رأسا، وليس كذلك، بل هو في الحقيقة متحرك، غير أن الصوت لم يتم بالحركة، ولا أشبع اللفظ بها ولا مطط). فجعل الاختلاس مرادفا للاختلاس. فمن خلال هذه النصوص يتبين أن هناك من فرّق بين حقيقة الإخفاء والاختلاس بحيث اعتبر الأول تبعيضا للحركة، واعتبرالثاني إسراعا في النطق بها تامة، وهذا التفريق وإن كان ظاهرا وجليا من حيث التنظير، إلا أنه يصعُب أداءً التفريق بينهما لكون كل واحد منهما حركة بين سكون محض وحركة مشبعة، فيظهران في السمع كأنهما حقيقة واحدة، وشيء واحد، فلذلك لم يعتبر هذا الفرق من ذكرناهم آنفا من القراء. والعلم عند الله تعالى.