بين الصواريخ والمسيرات الايرانية والرسالة الروسية والمأزق الاسرائيلي الامريكي

رياض سعد

يشهد المشهد الإقليمي تصعيداً غير مسبوق تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المناورات السياسية المعقدة… ؛ فبينما تتواصل الضربات المتبادلة في المنطقة وتتصاعد وتيرة استخدام الصواريخ بعيدة المدى والمسيرات .
وفي خضم المعمعة التي تعيشها المنطقة، ومع تواصل الفصل الجديد من عملية “الوعد الصادق” في موجتها الـ24 باتجاه الأراضي المحتلة، وتزامن ذلك مع دمار شامل يطال لبنان وإسرائيل وايران على حد سواء، يطل مشهد معقد يتقاطع فيه المتغير العسكري التقني مع الثابت الجيوسياسي … .
أولاً: مشهد الدمار والتصعيد العسكري
تتزامن التطورات الأخيرة مع تصاعد غير مسبوق في العمليات العسكرية، حيث خلّفت الضربات المتبادلة دماراً واسعاً ونزوحاً كبيراً للسكان في مناطق عدة… ؛ وقد تحولت بعض المناطق السكنية إلى ما يشبه المدن المهجورة نتيجة كثافة القصف واستمرار المواجهات .
ويشير هذا المشهد إلى أن الصراع لم يعد مجرد ضربات محدودة أو رسائل ردع متبادلة، بل أصبح أقرب إلى حرب استنزاف واسعة النطاق، تستخدم فيها أطراف الصراع أدوات عسكرية متقدمة بهدف تحقيق تفوق ميداني أو فرض معادلات ردع جديدة .
وبعد دخول الجيل الجديد من الصواريخ الإيرانية ذات الرؤوس الانشطارية سماء تل أبيب، إسرائيل تشديد الرقابة العسكرية على الإعلام، وتحظر خدمات البث المباشر، وتمنع تصوير المدن ونشرها .
ومن منظور إعلامي، هذا الفعل هو محاولة منهجية لفصل الصورة الميدانية عن الجمهور الداخلي والخارجي، بهدف منع تشكل لحظة إنهيار مرئي، وبالتالي ممكن أن تتحول مشاهد الدمار إلى ضغط سياسي داخلي أو انهيار المعنويات داخل اسرائيل .
ثانياً: تطور القدرات الصاروخية الإيرانية
في قلب هذا التصعيد تقف الترسانة الصاروخية الإيرانية التي تطورت خلال السنوات الماضية بشكل ملحوظ… ؛ ففي الموجات الأخيرة من الهجمات، اعتمدت إيران على إطلاق عدد محدود نسبياً من الصواريخ، إلا أن تأثيرها كان كبيراً، ما يعكس تحولاً في طبيعة الاستخدام من الكمّ إلى النوع .
وتشير التقارير إلى استخدام صواريخ متطورة عالية السرعة، مثل الصواريخ الفرط صوتية، التي تتميز بسرعة كبيرة وقدرة على المناورة تجعل اعتراضها أكثر صعوبة بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية… ؛ وبذلك لم يعد الهدف إطلاق مئات الصواريخ لإغراق الدفاعات، بل توجيه ضربات دقيقة وسريعة قادرة على تجاوز منظومات الاعتراض وإحداث تأثير كبير بأعداد أقل .
هذا التطور يعكس استراتيجية إيرانية تقوم على تعويض الفجوة التكنولوجية مع خصومها عبر تطوير وسائل ردع غير تقليدية تعتمد على السرعة العالية، والقدرة على المناورة، والضربات الدقيقة .
نعم : القدرات الصاروخية الإيرانية: فلسفة “النوع لا الكم”
فقد شكل إعلان الحرس الثوري الإيراني عن انطلاق الموجة الـ24 من الصواريخ باتجاه إسرائيل نقلة نوعية في إدارة المعركة… ؛ فبعد تجارب حرب يونيو/حزيران الماضي، التي كشفت عن استنزاف كبير لمنظومات الدفاع الجوي ، يبدو أن طهران طوّرت عقيدة قتالية جديدة ترتكز على استخدام الصواريخ الفرط صوتية مثل “فتاح 1″ و”خيبر شكن” (كاسر خيبر) و”خرمشهر 4″
هذه الصواريخ لا تحتاج إلى إطلاق مئات القذائع كي تبلغ أهدافها؛ فبفضل سرعتها التي تتجاوز 16 ماخ خارج الغلاف الجوي، وقدرتها على المناورة الحادة التي تعطل أنظمة التتبع الراداري، باتت تشكل كابوساً حقيقياً لمنظومات الدفاع المتطورة مثل “باتريوت” و”ثاد” الأمريكية … ؛ ويتميز “خرمشهر 4” برأس حربي يزن 1500 كيلوغرام، ما يعني أن الضربة الواحدة قد تكون كافية لإحداث دمار هائل… ؛ وقد باتت الدفاعات الإسرائيلية المنهكة أصلاً عاجزة أمام هذه السرعة الخاطفة، وهو ما يفسر تراجع كثافة القصف الإيراني كمياً مع تصاعده نوعياً.
ثالثاً: حرب الروايات والدعاية السياسية
لا تقتصر المعركة على الميدان العسكري فقط، بل تمتد أيضاً إلى ميدان الرواية الإعلامية… ؛ ففي الوقت الذي تؤكد فيه بعض التصريحات الغربية أن الضربات نجحت في تقليص قدرات إيران العسكرية، تحاول طهران الرد عملياً عبر إطلاق موجات جديدة من الصواريخ المتطورة، في رسالة واضحة مفادها أن قدراتها ما تزال قائمة وقادرة على التأثير.
وهكذا تتحول كل جولة عسكرية إلى اختبار مزدوج: اختبار للقوة الميدانية، واختبار للقدرة على فرض رواية سياسية تقنع الرأي العام المحلي والدولي وتكذب وتفند الرواية الغربية والامريكية والاسرائيلية .
رابعاً: الحسابات الدولية وردود الفعل الكبرى
على الصعيد الدولي، تراقب القوى الكبرى التطورات بحذر… ؛ فقد صدرت تصريحات من مسؤولين روس تشير إلى أن إيران لم تطلب حتى الآن دعماً عسكرياً مباشراً من موسكو… ؛ ويُفهم من هذا التصريح أن طهران ما زالت تعتمد أساساً على قدراتها الذاتية في إدارة المواجهة .
ويحمل هذا الموقف دلالتين مهمتين :
الأولى أن إيران تسعى لإظهار قدرتها على الصمود والردع دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر أو تقديم مساعدات عسكرية من حلفائها .
والثانية أن القوى الدولية الكبرى تحاول تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد توسع رقعة الصراع إقليمياً أو حتى دولياً .
نعم ؛ الخبر الأكثر دلالة في هذا المشهد المتشابك، جاء من موسكو. فعندما سُئل دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، عن إمكانية دعم روسيا لإيران بالسلاح، جاء رده بارداً وحاسماً: “طهران لم تطلب المساعدة أساساً .”
إذا صح هذا التصريح – وهو ما يتوافق مع تصريحات أمريكية سابقة عن عدم وجود دعم عسكري روسي مباشر – فإن معناه العميق أن طهران لا تزال تمتلك نفساً طويلاً وقدرة ذاتية على إيلام العدو… ؛ و هذا الرد يضرب الرواية الأمريكية الإسرائيلية التي تروج أن “قدرات إيران دُمّرت وشُلّت حركتها”… ؛ و المفارقة الساخرة أن كل مسؤول أمريكي يعلن “تصفية الصواريخ الإيرانية” يرد عليه الإيرانيون بوجبة صواريخ فرط صوتية جديدة …!!
خلاصة المشهد
ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة جديدة في صراع مستمر، بل هو إعادة تشكيل لمعادلات الردع في المنطقة… ؛ فإيران تثبت أن تطوير قدراتها النوعية يمكن أن يعوض الفارق الهائل في الميزانيات العسكرية… ؛وبين هذا وذاك، تبقى الرسالة الروسية الأكثر إزعاجاً لواشنطن: إيران وحدها قادرة على خوض معركتها، فكيف إذا قررت موسكو يوماً أن تدعمها حقاً؟
وبين هذا وذاك، تبقى الرسالة الروسية الأكثر إزعاجاً لواشنطن: إيران وحدها قادرة على خوض معركتها، فكيف إذا قررت موسكو يوماً أن تدعمها حقاً؟