رياض الدليمي
الدين والإنسان والسلطة
سلسلة دراسات في الوعي والكرامة
بقلم: د. رياض الدليمي
المقدمة: الغائب بوصفه اختبارًا لبنية الفكرة
حين تُبنى شرعية كاملة على شخص يُقدَّم بوصفه امتدادًا للغيب، فإن غيابه لا يكون حدثًا عاديًا، بل اختبارًا لبنية الفكرة نفسها.
هو الوقت الذي يكشف فيه كل ما بُني حوله: الوكلاء، النيابات، القداسة الممنوحة، وطاعة المجتمع.
تاريخ الاختبار: من الخيال إلى الواقع
إذا كان الغائب يُنتظر منذ قرون، فهل يمكن أن يكون هناك موقف أشدّ من هذا الانتظار؟
لقد غاب منذ الألف السنين، ومرت أجيال على الأرض شهدت كوارث وفسادًا واسعًا، وسفك دماء الشعوب، وصراعات متكررة، من التتار إلى الحروب الحديثة في العراق وسوريا واليمن، وصولًا إلى الأحداث الأخيرة في إيران، حيث قُمع المتظاهرون وقتل الآلاف خلال أيام قليلة.
وهذا ما يذكّرنا بما جاء في القرآن حين سألت الملائكة الله عن خلق آدم:
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك؟
لقد خُلق الإنسان لإعمار الأرض، للسلام، ولإعادة التوازن بين الإنسان والطبيعة، لا ليكون ذريعة للتدمير والقتل باسم الوصاية على الحق الإلهي.
الوكيل والسلطة: اختبار الطاعة المطلقة
أخُذ الناس يُدرّبون على طاعة الوكيل، على تقديسه فوق القانون والمنطق، على إلغاء السؤال والتساؤل.
لكن حين ينهار الوكيل، أو يُقتل كما حدث مؤخرًا في قادة إيران، تُكشف هشاشة البناء:
الغائب لم يحمي وكيله،
الوكيل لم يتمكن من حماية نفسه،
ويظهر أن السلطة كانت قائمة على وهم القوة أكثر من فعلها.
أخُو كَشْرَه يقف في الساحة، يلمع خنجره في الضوء، يعلو صوته بالوعيد، والناس تصدّق لمعان الحديد.
لكن ساعة الامتحان لا تُقاس بلمعان الخناجر، بل بجرأة اليد التي تقبض عليها.
الشدائد تكشف أن الخنجر كان للزينة فقط، وأن الطاعة الموهومة لم تعد تستند إلى حماية حقيقية، بل إلى خداع وإيهام البسطاء.
العراق نموذجًا حيًا: الدولة في ظل المليشيات
في العراق اليوم، لا تزال الدولة الرسمية تعيش في ظل المليشيات. هذه القوى المسلحة، التي نشأت باسم حماية وطن أو دين، أصبحت سلطة موازية، تحدد سقف القرار، وتفرض نوعًا من الطاعة على المجتمع.
لم تُحل المليشيات بعد، ولا تزال بعض مؤسسات الدولة تتعامل معها كأمر واقع، بينما المواطن العادي يعيش بين حكم القانون الذي لا ينفذ، وسلطة المليشيات التي تطبّق إرادتها بالقوة والتهديد.
هذا الواقع يشبه ما تحدثنا عنه سابقًا في السلسلة: حين تُصنع الطاعة وتُقدَّس السلطة باسم الغائب أو الوكيل، يصبح الإنسان مشلولًا أمام نظام مزدوج، حيث القوة تُستغل للسيطرة، والفكر المستقل يُقمع باسم الولاء أو الطاعة.
السؤال الأخير: بين الغائب والواقع
وهنا ينقلب السؤال:
إذا كان الغائب ينتظر وقتًا معينًا للظهور، ما هو أشدّ من هذا الوضع؟
ألم يحان الوقت ليظهر بعد كل هذه الكوارث والدماء والفساد في الأمة؟
لماذا لم يدافع عن وكيله؟
أليس من الممكن أن تكون مسألة الغائب بدعة ابتكرت لأغراض سياسية، لتقديس طاعة الوكيل، وضمان السيطرة على الناس؟
هذه الأسئلة ليست نقدًا للإيمان، بل دعوة للتفكير: لفهم الفرق بين الحق الروحي والحق السياسي، بين الوعد الغيبي والواقع اليومي، وبين القداسة المفترضة والعدالة الواقعية.
استعادة الإنسان من دائرة الوهم
حين يعود الإنسان إلى السؤال، إلى التفكير، إلى القدرة على التمييز بين الطاعة الحقة والطاعة المفروضة، حينها تتحرر الدولة والمجتمع من الوصاية، ويصبح المقدس أداة هداية لا تبريرًا للسلطة المطلقة.
هذه السلسلة لم تُكتب لإدانة أحد، ولا لمصادرة إيمان، ولا لفرض قراءة.
بل لفتح نافذة: يتنفّس منها العقل، ويستعيد الإنسان حقه الأوّل: أن يفهم، قبل أن يُطلب منه أن يطيع.
هذا الملحق يفتح الباب لملاحق أخرى محتملة، بحسب تطورات الأحداث في المنطقة، ليبقى القارئ متابعًا بين الغائب والواقع، بين الطاعة الموهومة والحرية الحقيقية.