مفاهيم عن السكر والجنابة والاغتسال والتيمم عند الشيخ الطبرسي في مجمع البيان

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا” (النساء 43) لما أمر سبحانه في الآية المتقدمة بالعبادة، ذكر عقيبها ما هو من أكبر العبادات، وهو الصلاة، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾: أي لا تصلوا وأنتم سكارى، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد. وقيل: معناه لا تقربوا أماكن الصلاة: أي المساجد، للصلاة وغيرها، كقوله وصلوات: أي مواضع الصلوات، عن عبد الله، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وعكرمة، والحسن، ويؤيد هذا قوله: “وأنتم سكارى” (النساء 43): أي نشاوى واختلف فيه على قولين (أحدهما) إن المراد به سكر الشراب، عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. قالوا: ثم نسخها تحريم الخمر، وروي ذلك عن موسى بن جعفر عليه السلام، وقد يسأل عن هذا، فيقال: كيف يجوز نهي السكران في حال السكر، مع زوال العقل ؟ وأجيب عنه بجوابين (أحدهما): إنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقصان العقل إلى ما لا يحمل الأمر والنهي والآخر: إن النهي إنما ورد عن التعرض للسكر في حالة وجوب أداء الصلاة عليهم، وأجاب أبو علي الجبائي بجواب ثالث، وهو: إن النهي إنما دل على أن إعادة الصلاة واجبة عليهم إن أدوها في حال سكر. وقد سئل أيضا فقيل: إذا كان السكران مكلفا، فكيف يجوز أن ينهى عن الصلاة في حال سكره، مع أن عمل المسلمين على خلافه؟ وأجيب عن ذلك بجوابين أحدهما: إنه منسوخ والآخر: إنهم لم يؤمروا بتركها، لكن أمروا بأن يصلوها في بيوتهم، ونهوا عن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جماعته تعظيما له وتوقيرا القول الثاني: إن المراد بقوله “وأنتم سكارى” (النساء 43): سكر النوم خاصة، عن الضحاك، وروي ذلك عن أبي جعفر عليه السلام، ويعضد ذلك ما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف، لعله يدعو على نفسه وهو لا يدري”. “حتى تعلموا ما تقولون” (النساء 43): أي حتى تميزوا ما تقولون من الكلام. وقيل: معناه حتى تحفظوا ما تتلون من القرآن.

وقوله “ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا” (النساء 43) في معناه قولان أحدهما: إن المراد به: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين، فيجوز لكم أداؤها بالتيمم، وإن كان لا يرفع حكم الجنابة، فإن التيمم وإن كان يبيح الصلاة، فإنه لا يرفع الحدث، عن علي عليه السلام، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد. والآخر: إن معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد، وأنتم جنب، إلا مجتازين، عن جابر، والحسن، وعطاء، والزهري وإبراهيم، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. “وعابري سبيل” (النساء 43): أي مارين في طريق، “حتى تغتسلوا” (النساء 43) من الجنابة. وهذا القول الأخير أقوى لأنه سبحانه بين حكم الجنب في آخر الآية، إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك، لكان تكرارا. وإنما أراد سبحانه أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد، في أول الآية، ويبين حكمه في الصلاة عند عدم الماء، في آخر الآية.

وقوله عز وجل “وإن كنتم مرضى” (النساء 43): قيل نزلت في رجل من الأنصار كان مريضا، ولم يستطع أن يقوم فيتوضأ، فالمرض الذي يجوز معه التيمم، مرض الجراح، والكسر، والقروح، إذا خاف أصحابها من مس الماء، عن ابن عباس، وابن مسعود، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة. وقيل: هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء، ولا يكون هناك من يناوله، عن الحسن، وابن زيد، وكان الحسن لا يرخص للجريح التيمم. والمروي عن السيدين الباقر والصادق عليه السلام، جواز التيمم في جميع ذلك “أو على سفر” (النساء 43) معناه: أو كنتم مسافرين، “أو جاء أحد منكم من الغائط” (النساء 43)، وهو كناية عن قضاء الحاجة. قيل: إن (أو) ههنا بمعنى الواو كقوله سبحانه “وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون” (الصافات 147) بمعنى وجاء أحد منكم من الغائط، وذلك لأن المجيء من الغائط، ليس من جنس المرض والسفر، حتى يصح عطفه عليهما، فإنهما سبب لإباحة التيمم، والرخصة، والمجيء من الغائط، سبب لإيجاب الطهارة “أو لامستم النساء” (النساء 43): المراد به الجماع، عن علي عليه السلام، وابن عباس، ومجاهد، والسدي، وقتادة، واختاره أبو حنيفة، والجبائي. وقيل: المراد به اللمس باليد وغيرها، عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والشعبي، وعطا، واختاره الشافعي. والصحيح الأول، لان الله سبحانه بين حكم الجنب في حال وجود الماء بقوله: “ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا” (النساء 43) ثم بين عند عدم الماء حكم المحدث بقوله: “أو جاء أحد منكم من الغائط” (النساء 43)، فلا يجوز أن يدع بيان حكم الجنب عند عدم الماء، مع أنه جرى له ذكر في الآية، ويبين فيه حكم المحدث، ولم يجر له ذكر، فعلمنا أن المراد بقوله “أو لامستم” (النساء 43) الجماع، ليكون بيانا لحكم الجنب عند عدم الماء، واللمس، والملامسة، معناهما واحد، لأنه لا يلمسها إلا وهي تلمسه. ويروى أن العرب والموالي اختلفوا فيه، فقالت الموالي: المراد به الجماع، وقال العرب: المراد به مس المرأة، فارتفعت أصواتهم إلى ابن عباس، فقال: غلب الموالي: المراد به الجماع، وسمي الجماع لمسا، لان به يتوصل إلى الجماع، كما يسمى المطر سماء.