الكاتب :حسين شكران العقيلي
بين ثنايا الجغرافيا التي لا تخطئ، وعمق التاريخ الذي لا ينسى، تتشكل علاقة فريدة من نوعها بين الشعبين العراقي والإيراني، علاقة تجاوزت حدود الدبلوماسية الرسمية لتدخل في فضاء (وحدة المصير) . اكتب هذا التحليل لنغوص في جوهر هذا التلاحم الذي لم يكن وليد صدفة، بل هو نتاج تمازج طويل من القيم، المعتقدات، والمواقف النبيلة التي صهرتها التحديات المشتركة.
إن الناظر في طبيعة الروابط بين بغداد وطهران يدرك سريعاً أننا لسنا أمام مجرد دولتين جارتين، بل أمام نسيج اجتماعي وروحي واحد ينطلق هذا التلاحم من (وحدة المعتقد) التي تمثل العمود الفقري لهذه العلاقة؛ فالمقدسات المشتركة والعتبات التي تحتضنها أرض العراق ليست مجرد معالم عمرانية، بل هي مراكز ثقل روحي تجذب القلوب من كل حدب وصوب، مما خلق حالة من الانصهار الوجداني جعلت من الفرد العراقي والإيراني يشعران بانتماء قيمي واحد يتجاوز الحواجز اللغوية أو القومية.
هذه الوحدة الروحية تتجلى في أبهى صورها خلال الزيارات المليونية، حيث تذوب الفوارق وتتجلى معاني الإيثار والكرم العراقي الأصيل الذي يقابله تقدير وعرفان إيراني عميق، مما يبني جسوراً من المودة الشعبية لا تقوى العواصف السياسية على زعزعتها.
وعلى ضفاف هذه الروابط الروحية، تبرز) وحدة الدم) كشاهد حي على نبل المواقف المشتركة. لقد أثبتت الأزمات المتعاقبة، لا سيما في مواجهة خطر الإرهاب الظلامي الذي هدد المنطقة، أن الوقوف الإيراني إلى جانب العراق لم يكن مناورة سياسية بقدر ما كان تجسيداً لالتزام أخلاقي ومصيري. حين اختلطت الدماء على أرض العراق دفاعاً عن المقدسات والأرض، تأصلت حقيقة أن العدو واحد والألم واحد. هذه المواقف النبيلة، التي تمثلت في فتح أبواب الدعم اللامتناهي في أحلك الظروف، لم ينسها الوجدان العراقي، بل أصبحت جزءاً من الذاكرة الجمعية التي تقدر من وقف معها (في الضراء) قبل (السراء)
إن هذا التلاحم الشعبي يستند أيضاً إلى فهم مشترك لضرورة الاستقرار في منطقة مثقلة بالتدخلات الخارجية. يدرك الشعبان أن قوتهما تكمن في تكاتفهما، وأن أي وهن يصيب أحدهما سينعكس بالضرورة على الآخر.
لذا، فإن الدعم الشعبي العراقي لإيران في مواجهة الضغوط الدولية ليس مجرد رد جميل، بل هو وعي استراتيجي بأن إيران تمثل عمقاً سنداً حقيقياً للعراق، كما يمثل العراق لإيران الرئة التي تتنفس منها والأخ الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
في الختام، يتبين لنا أن العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني هي علاقة عضوية نمت في ظلال المعتقد المشترك ورويت بدماء التضحيات. إنها قصة وفاء متبادل ومواقف شجاعة تتجاوز الحسابات المادية الضيقة، لترسم لوحة من التضامن الإنساني والإسلامي الفريد. سيبقى هذا التلاحم، كما ارى، صمام أمان للمنطقة، وبرهاناً ساطعاً على أن الروابط التي تُبنى على القيم والمبادئ هي وحدها التي تصمد أمام اختبار الزمن وتقلبات السياسة.
وحدة الدم والمعتقد( أسرار التلاحم الشعبي العراقي الإيراني)