رياض الفرطوسي
يأتي عيد الفطر هذه الأيام، لا كضيفٍ خفيف الظل، بل كزائرٍ ثقيل الخطى، يطرق الأبواب وفي يده باقة متناقضة، نصفها فرح، ونصفها وجع. كأن العيد نفسه مرتبك، لا يدري كيف يوزع ابتسامته على وجوهٍ أنهكها الانتظار، ولا كيف يمرّ فوق خرائطٍ لم تعد تعرف الاستقرار.
في الذاكرة، كان العيد أبسط مما هو عليه الآن، واضحاً مثل صباحٍ هادئ في حيٍّ قديم. بعد الصلاة، لا يمضي الناس مباشرة إلى عزلتهم خلف الأبواب، بل يبدأ نهار طويل من الحركة بين الأزقة والبيوت، من درجٍ إلى آخر، ومن بابٍ إلى باب، كأن الحيّ كله عائلة واحدة. عند باب المسجد، كان الإمام يطلب من المصلين أن يتريثوا قليلًا، فتتشكل حلقات من المصافحات، وجوه تتقارب، وأيدٍ تمتد، وخصومات تذوب بهدوء. في تلك اللحظة، لم تكن المصافحة مجاملة عابرة، بل كانت اتفاقاً غير مكتوب على أن ما انكسر يمكن أن يُرمّم، وأن القلوب، مهما أثقلها الغبار، قادرة على أن تبدأ من جديد.
وكان الأطفال، أولئك الذين يفهمون العيد أكثر من الكبار، يرونه في تفاصيل صغيرة، في قطعة نقد تُمنح بيدٍ كريمة، في ثوب جديد قد لا يكون جديداً تماماً، لكنه يكفي ليمنحهم شعوراً بأن العالم بخير. كانوا يقيسون المحبة بمقدار “العيدية”، ويخاصمون على سبيل الدعابة، ثم ينسون بسرعة، لأن الفرح عندهم لا يحتمل التأجيل.
لكن العيد، مهما حاول أن يبدو نقياً، يحمل في داخله طبقة خفية من الشجن. فالقلب، بعد شهرٍ من الصيام، يصبح أكثر شفافية، كأنه زجاجٌ رقيق يرى ما لا يُرى في الأيام العادية. في العيد، نتذكر الذين كانوا يجلسون معنا ولم يعودوا، الذين تركوا أماكنهم فارغة، لكن حضورهم يملأ المكان أكثر من الغياب. تبكي العيون أحياناً، لا حزناً فقط، بل شوقاً، كأن الدموع محاولة متأخرة لاستعادة زمنٍ لن يعود.
غير أن وجع هذا العيد ليس شخصياً فحسب. هناك ما هو أوسع من الحنين، وأقسى من الذكريات. كيف يمكن لفرحٍ أن يكتمل، وهناك من لا يملك بيتاً ليعود إليه بعد الصلاة؟ كيف يمكن للتكبير أن يعلو صافياً، فيما أصوات أخرى أعلى منه، أصوات القصف والصواريخ ؟
في هذا الشرق، صار العيد امتحاناً للمشاعر. لا يكفي أن تفرح، بل عليك أن تسأل نفسك عن حقك في الفرح. هناك من يخرج من تحت الركام، من يصحو في خيمة بدل بيت كما في غزة ولبنان ، من يعدّ الغائبين واحداً واحداً، ثم يحاول أن يبتسم رغم كل شيء. هناك من يرى العيد من بعيد، كأنه صورة معلقة على جدارٍ لا يمكن الوصول إليه.
الشعراء قالوا الكثير في مثل هذه اللحظات، لكن الواقع صار أبلغ من كل القصائد. امرأة تجلس عند طرف منزل مهدم ، تنظر إلى أطفالٍ يركضون بثياب قديمة ، فتتذكر طفولتها، ثم تنكسر ابتسامتها قبل أن تكتمل. رجل يعود من صلاة العيد، فلا يجد من يصافحه، فيكتشف أن الوحدة أحياناً أقسى من الحرب نفسها.
وهكذا، يتحول العيد إلى مرآة قاسية. لا يعكس ما نريده، بل ما نحن عليه. يكشف هشاشتنا، ويذكرنا بأن الفرح، حين لا يكون مشتركاً، يصبح ناقصاً، أو ربما مشروطاً. كأن العيد يقول لنا بصوت خافت، لا معنى لبهجتكم إن كانت تمرّ فوق حزن الآخرين.
ومع ذلك، لا ينطفئ الأمل تماماً. يبقى هناك شيء صغير، عنيد، يرفض الانكسار. في المصافحة التي تتم رغم الجراح، في قطعة حلوى تُقسم بين أكثر من طفل، في دعاءٍ يُرفع بصوتٍ مرتجف لكنه صادق.
ربما هذا هو العيد الحقيقي الآن، ليس ذاك الذي يفيض بالفرح، بل ذاك الذي يقاوم الانطفاء. عيد بنصف قلب، نعم، لكنه قلب ما زال ينبض، وما دام ينبض، فثمة احتمال دائم بأن يكتمل يوماً ما.