خالد الغريباوي
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث كالعاصفة، لم يعد الميدان يحتمل التوقعات التقليدية، بل أصبح ساحةً للمفاجآت الثقيلة التي تُرسم بدمٍ بارد وعقولٍ ساخنة. المثل العراقي يقول: (ضربتين في الرأس توجع)، لكن ما يجري اليوم تجاوز الضربتين… نحن أمام ثلاث ضربات متتالية، موجعة، ومدوية، تهز موازين القوى وتعيد رسم خرائط الصراع.
أول الضربات جاءت بإسقاط طائرة الـ F-35، رمز التفوق الجوي الأمريكي، الطائرة التي طالما قُدمت على أنها “الشبح الذي لا يُرى ولا يُسقط”. سقوطها لم يكن مجرد حادث عسكري، بل صفعة نفسية واستراتيجية، رسالة تقول إن السماء لم تعد حكراً على أحد، وإن التكنولوجيا مهما بلغت، يمكن كسرها بالإرادة والتخطيط.
أما الضربة الثانية، فهي وصول الصواريخ الى ( قاعدة دييغو غارسيا ) حيث عمق مناطق لم تكن تُحسب ضمن دائرة الخطر المباشر، في تحول واضح لقواعد الاشتباك. لم تعد المسافات عائقاً، ولم يعد الرد محصوراً في حدود جغرافية ضيقة. هذه الصواريخ لم تحمل فقط رؤوساً متفجرة، بل حملت معها إعلاناً صريحاً بأن خطوط الردع القديمة قد سقطت.
ثم جاءت الضربة الثالثة، الأكثر حساسية وتعقيداً، بسقوط إحدى طائرات اف F-16 التابعة للكيان الصهيوني ، هذا الحدث إن تأكدت أبعاده الكاملة، لا يُعد مجرد خسارة عسكرية، بل اختراقاً استراتيجياً عميقاً، يُظهر أن ميزان القوة الجوية في المنطقة لم يعد كما كان، وأن المواجهة دخلت مرحلة جديدة عنوانها: كسر الهيبة.
كل ذلك يحدث بالتزامن مع ظهور صاروخ بمدى يصل إلى 4000 كيلومتر، وهو رقم ليس عادياً في حسابات الحرب. هذا يعني أن ساحات الصراع لم تعد محصورة، وأن أي نقطة قد تصبح هدفاً في أي لحظة. نحن أمام تحول من حرب تكتيكية إلى حرب استراتيجية شاملة، تتجاوز الحدود، وتُعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي.
التطورات تتسارع، والاستراتيجيات تتغير، واللاعبون الكبار يبدؤون بإعادة حساباتهم. الولايات المتحدة، التي اعتادت على فرض إيقاع المعركة، تجد نفسها اليوم أمام خصم يعتمد على المفاجأة، وعلى ضرب النقاط الحساسة بدقة عالية. أما إيران، فتبدو وكأنها انتقلت من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، مستخدمةً أدوات غير تقليدية وتكتيكات غير متوقعة.
المشهد يتجه نحو التصعيد، وليس هناك ما يشير إلى التهدئة في الأفق القريب. كل ضربة تفتح الباب لضربة أقوى، وكل رد يولد رداً أعنف. إنها لعبة كسر عظم، لا مكان فيها للخطأ، ولا مجال للتراجع دون ثمن.
نحن أمام منعطف تاريخي في مسار الصراع، منعطف قد يغير شكل المنطقة لعقود قادمة. فإما أن تُفرض معادلات جديدة بالقوة، أو تنفجر مواجهة أوسع لا يمكن احتواؤها بسهولة.
وفي ظل هذا كله، يبقى السؤال الأخطر:
هل ما نراه هو بداية النهاية… أم نهاية البداية؟