خارج الضجيج
كتب رياض الفرطوسي
في هذا الركن الهادئ من هولندا، حيث الماء لا يعادي اليابسة بل يفاوضها، وحيث الريح تمرّ كأنها تعرف الطريق منذ قرون، أكتشف أن العالم يمكن أن يُعاد ترتيبه دون أن يُكسَر.
أكتب هذه المرة بلا حرب. لا لأن الحرب انتهت، بل لأن الروح تعبت من حملها كحقيبة دائمة. أتركها قليلاً عند الباب، مثل معطفٍ ثقيل، وأمشي خفيفاً في شوارع لا تعرف اسمي، لكنها لا تسألني عنه أيضاً.
في الصباح، تمرّ الدراجات كأنها فكرة جماعية عن التوازن. لا أحد يصرخ، لا أحد يطارد أحداً. كل شيء يمضي بهدوء يشبه اقتناعاً داخلياً بأن الحياة لا تحتاج إلى إثبات دائم. هنا، أفهم شيئاً قاله باروخ سبينوزا، إن السلام ليس غياب الحرب، بل حضور الفهم. جملة تبدو بسيطة، لكنها تحتاج عمراً كاملاً لكي تُفهم.
في المدن الهولندية، لا يختبئ الضوء في الأعلى، بل ينسكب أفقياً، على القنوات، على النوافذ الواسعة، على وجوه الناس. كأن الضوء هنا لا يريد أن يُبهر، بل أن يُرافق. وهذا ما نفتقده نحن، ضوء يرافقنا لا يفضحنا.
أتذكر فجأة ما كتبه إيراسموس (فيلسوف هولندي من عصر النهضة، اشتهر بدعوته إلى العقل والتسامح) عن “مديح الحماقة”، حين سخر من عالم يظن نفسه عاقلاً وهو يغرق في تناقضاته. أبتسم. كم يشبه عالمنا الآن، فقط أكثر قسوة وأقل سخرية.
أجلس قرب نافذة تطل على ماء ساكن. لا شيء يحدث، وهذا بحد ذاته حدث. في أماكن أخرى من حياتي، كان السكون يعني الخطر. هنا، السكون يعني أن كل شيء في مكانه. الفرق ليس في المكان، بل في الذاكرة التي نحملها معنا كظلّ لا يُرى.
أفكر في نفسي، كيف جئت من ضجيجٍ يُشبه الانفجار الدائم، إلى هذا الهدوء الذي يكاد يكون غريباً. كأنني انتقلت من لغة إلى أخرى، لا في الكلمات فقط، بل في الإحساس. هناك، كانت الحياة تُعاش بسرعة الخوف. هنا، تُعاش بسرعة التنفس.
أقرأ لـ آن فرانك (فتاة كتبت يومياتها أثناء اختبائها من النازيين في الحرب العالمية الثانية)، تلك الفتاة التي كتبت من مخبأ ضيق عن عالم أوسع من الحرب. كانت ترى ما لا يُرى، حتى وهي محاصرة. أفكر، ربما المسألة ليست في المكان أيضاً، بل في القدرة على أن ترى الإنسان وسط الركام، لا الركام فقط.
في هذا البلد، لا أحد يدّعي امتلاك الحقيقة. ربما لهذا السبب تبدو الحياة أخف. الحقيقة هنا ليست سلاحاً، بل نقاشاً. ليست راية، بل سؤال مفتوح. وهذا ما يجعل الإنسان أقل توتراً، لأنه لا يحتاج أن يدافع عن كل شيء طوال الوقت.
أمشي في الشارع، أراقب النوافذ. البيوت هنا مكشوفة، بلا ستائر ثقيلة. ليس لأن الناس بلا أسرار، بل لأنهم لا يخافون منها. الشفافية هنا ليست شعاراً سياسياً، بل أسلوب حياة. وهذا ما يجعلني أفكر، كم من حياتنا قضيناها ونحن نغلق النوافذ، لا لنحمي أنفسنا، بل لنخفي خوفنا.
أكتب الآن، بعيداً عن الحرب، لكن ليس بعيداً عن الإنسان. أحاول أن أستعيد شيئاً بسيطاً، أن أرى العالم دون أن أفسره فوراً ككارثة. أن أسمح للتفاصيل الصغيرة أن تكون كافية.
ربما لا نحتاج دائماً إلى معارك كبيرة لنثبت أننا أحياء. أحياناً، يكفي أن نجلس قرب نافذة، نراقب الماء، ونفهم، ولو للحظة، أن الحياة يمكن أن تُعاش دون أن تُدافع عنها بالسلاح.
هنا، في هذا الهامش الهادئ من العالم، أتعلم درساً متأخراً، لكنه واضح كالماء:
ليس كل ما هو بعيد عن الحرب هروباً،
أحياناً يكون عودةً متأخرة إلى الإنسان.