الحرب التي لا تُرى

ضياء المهندس

( كيف تُدار المنافسة بين أمريكا والصين خلف ستار الأزمات)

بينما ينشغل العالم بتصاعد التوترات في إيران وإسرائيل، وبسلسلة الأزمات الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط، تتشكل في العمق معركة أكثر هدوءًا… لكنها أخطر بكثير. إنها معركة إعادة رسم موازين القوة العالمية بين الولايات المتحدة والصين.
هذه الحرب لا تُخاض بالصواريخ فقط، بل تُدار عبر الاقتصاد، الطاقة، والتكنولوجيا.

صعود يثير القلق
خلال العقدين الماضيين، تحولت الصين إلى مصنع العالم، حيث تنتج اليوم نحو 28% من الإنتاج الصناعي العالمي، مقابل نحو 16–17% للولايات المتحدة. كما تمثل قرابة خُمس الاقتصاد العالمي، مع توقعات متزايدة بأن تتجاوز الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات المقبلة.
هذا الصعود السريع ينسجم مع ما طرحه المستثمر الأمريكي راي داليو، الذي يرى أن التاريخ يُظهر نمطًا متكررًا: عندما تقترب قوة صاعدة من إزاحة قوة مهيمنة، يصبح الصدام أمرًا شبه حتمي.

نقطة الضعف: الطاقة
رغم قوتها الصناعية، تعتمد الصين بشكل كبير على الخارج لتأمين الطاقة:
تستهلك نحو 15 مليون برميل نفط يوميًا
تستورد ما بين 70% و75% من احتياجاتها
وهذا الاعتماد يجعل اقتصادها حساسًا لأي اضطراب في الإمدادات، خصوصًا من دول مثل روسيا والسعودية وإيران والعراق.
هنا تظهر إحدى أدوات الصراع غير المباشر: الضغط على مصادر الطاقة، سواء عبر العقوبات أو التوترات الجيوسياسية، بما يؤثر على تدفق النفط واستقراره.

سلاسل الإمداد كسلاح
لم تعد الحروب الحديثة بحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. يكفي التأثير على سلاسل الإمداد.
العقوبات المفروضة على روسيا، والقيود على صادرات إيران، والاضطرابات في مناطق الإنتاج، كلها عوامل تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية.
بالنسبة للصين، أي خلل في هذه الشبكة يعني تباطؤًا اقتصاديًا مباشرًا.
معركة الطرق: الحزام والطريق
أطلقت بكين مشروع مبادرة الحزام والطريق باستثمارات تتجاوز تريليون دولار، بهدف ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا عبر شبكة من الموانئ والسكك الحديدية.
الهدف واضح: السيطرة على طرق التجارة العالمية.
لكن هذا المشروع يواجه تحديات متزايدة:
توترات سياسية في مناطق العبور
ضغوط أمريكية على بعض الدول المشاركة
تردد أوروبي بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية.

تايوان… العقدة الأخطر
تبقى تايوان النقطة الأكثر حساسية في هذا الصراع.
فالجزيرة تنتج أكثر من 90% من أشباه الموصلات المتقدمة في العالم، وهي مكونات أساسية لكل شيء تقريبًا: من الهواتف إلى الأسلحة.
السيطرة على هذه الصناعة تعني امتلاك مفتاح التكنولوجيا في القرن الحادي والعشرين.
ولهذا:
تؤكد الصين أنها جزء من أراضيها
تتعهد الولايات المتحدة بحمايتها
ما يجعلها أقرب نقطة قد يتحول فيها الصراع البارد إلى مواجهة مباشرة.
من يربح من التوتر؟
في خضم هذه المعادلة، لا تقتصر المكاسب على إضعاف الخصم.
فكل تصعيد عسكري أو توتر إقليمي يؤدي إلى:
✓ زيادة الطلب على السلاح
✓ ارتفاع الإنفاق الدفاعي عالميًا
✓ تعزيز نفوذ الصناعات العسكرية
وهو ما يصب في مصلحة الاقتصاد الأمريكي بشكل مباشر.

الخلاصة
ما يحدث في العالم اليوم ليس مجرد أزمات منفصلة، بل أجزاء من لوحة أكبر.
الصراع الحقيقي يدور حول من سيقود النظام العالمي في العقود القادمة.
الولايات المتحدة تسعى إلى إبطاء صعود الصين عبر:
الضغط على الطاقة
تعطيل طرق التجارة
السيطرة على التكنولوجيا
بينما تحاول الصين كسر هذا الطوق عبر التوسع الاقتصادي وبناء شبكات بديلة.
وبين هذا وذاك، تبقى الحروب الإقليمية مجرد فصول في قصة أكبر…
قصة صراع على قيادة العالم.

البروفيسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي