د. فاضل حسن شريف
جاء في الدرر السنية للمشرف علوي عبد القادر السقاف عن زيدية اليمن: الإمامَ الهاديَ يحيى بنَ الحُسَينِ: قال الهادي في تفسيرِ قولِه تعالى: “يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا” (الأعراف 27): (الذي بلَغَنا عن نبيِّنا محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليه وآلِه وسلَّم أنَّ لباسَهما هو لِباسُ التَّقوى والإيمانِ لا ما يقولُ الجاهِلون: إنَّه لباسُ ثِيابٍ).
وعن العلامة علي (أو محمد) بن أبي الفوارس الهمدَاني، كما جاء في حكاية المؤرّخ العلامة يحيى بن الحسين في المستطاب، قال: (قَال مسلم اللّحجي: وأخبَرني عليّان بن إبراهيم، وأحسبه فيما أخبرني به محمّد بن إبراهيم بن رفاد عن مشايخهما، قالوا: دخَل رَيدة بعض متكلّمي المرجئة، فحضرَهُ جَماعة مِن الزيدية فمنهُم علي بن أبي الفوارس، فَاحتجّوا عليه (على المُرجئي) في خُلود أهل النّار فِي النّار بقول الله تعالى “لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ” (الأعراف 40)، فقال: وجُودُ هَذا هَيّن على الله لقُدرَته ورَحمته، إذا شاءَ أولَجَ الجمَل فِي سم الخياط، وحَان انصرافهم، فقامَ علي بن أبي الفوارس إلى مَنزله يفكّر فِيمَا يَحل هذه الشّبهة من كلام المُرجئ مِن الحجّة، فسألتهُ امرأتُه عَن خَبرِه فَأخبرَهَا، فَقالت: قال الله تعالى: “حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ” (الأعراف 40) فَاعلاً لا مَفعولاً بِه، فَانتبهَ لَها وقَرَّت عَينُه ونَام، فلمّا أصبح بَكَّر إلى أصحابه فتكلم بذلك وأنّ الله تعالى قال يَلِج ولَم يقل يُولج، فانقطَع المُرجئ). قلتُ: الغرضُ من إيراد هذه الرواية هي إثبات قول ابن أبي الفوارس بالخلود على أهل الكبائر وأصحاب النّار.
جاء في موقع الكاظم الزيدي عن من هم الأعراف؟ أنّ الأعراف ورجالُ الأعرَاف هي من قولِ الله تعالى: “وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ” (الأعراف:46)، وهاهُنا بيانَان، الأوّل في ماهيّة الأعرَاف، والثّاني في رجَالِ الأعراف. فأمّا الأعرَافُ زهي مُفردُ عُرْف، فظَهرُ كلّ مُرتفِع من رَمل أو جبَل أو سَحاب، قالَ الإمَام الهادي إلى الحقّ عليه السلام: ” الأعرَاف: هُو مَا ارتفَع منَ الأرض وعَلا، وشَمَخ مِنها فِي الهَواء، فَتلك أعرَافُ الأرض” (مجموع كُتب ورسائل الإمَام الهادي إلى الحقّ )، وقال العلاّمة ابن حابس رحمَه الله في المُراد من الأعرَاف في الآيَة: “وقال بَعضُ أصحَابِنَا إنّ الأعرَاف أعَالي الجنّة. وَقيل هِي أعَالي الحِجَاب الذي بَين الجنّة والنّار وهُو المُراد بقوله “وبَينَهُمَا حِجَاب” (الإيضاح شرح المِصباح). وقال العلاّمة الآنسي رحمَه الله: “وَهُو السّور المَضروب بين الجنّة والنّار وهِي أعَاليه، استُعِير مِن عُرْف الفَرَس أو عُرف الدِّيك فَسُمِّي أعرَافاً لارتفاعِه، وقيل: لأنّ أهلَه يَعرِفُون النّاس” (تفسير الأعقَم)، وقالَ الإمَام الأعظَم زيد بن عَلي عليه السلام: “هُو سُور بَين الجنّة والنّار. والأعرَاف: كُلّ مَوضِع مُرتفِع مُشرف” (تفسير فريب القرآن). قلتُ: فظهرَ أنّ الأعرَاف هُو موضعٌ عالٍ على سُورٍ يَحجبُ ويَفصلُ بينَ الجنّة والنّار، فذلكَ تفسيرُ قول الله تعالى: ” الأَعْرَافِ”. نعَم! وأمّا رجِال الأعرَاف، ففيهِم قولاَن من مصادر الزيديّة، القولُ الأوّل: أنّهم عليٌّ وحمزةَ وجعفَر رضوانُ الله عليهِم وسلامُه. والقولُ الثّاني: أنّهم الملائكَة الحفظَة الموكّلون بكلّ نَفس رجّحه الإمَام الهادي إلى الحقّ عليه السلام، فأمّا القولُ الأولّ فممّا رواهُ الحافظ محمّد بن سليمان الكوفي، بإسنادِه، عن ابن عبّاس فِي قَوله تعالى: “وعَلى الأعرَاف رِجَال يَعرفونَ كُلاَّ بسيمَاهُم”: قَال: هُم عَليٌّ عَليه السلام، وجَعفَر، وحَمزة رِضوان الله عليهم يَعرفون مُحبّيهم بِبَياض الوُجُوه ومُبغضيهم بسوَاد الوُجُوه” (مناقب أمير المُؤمنين)، وروى مثله الثّعلبي عن ابن عبّاس (تفسير القرطبي)، وورى مثله أيضاً الحاكم الحسكاني الحَنفي عن ابن عبّاس في (شواهد التّنزيل)، ورواه الحاكم الجَشمي عن ابن عبّاس (تنبيه الغافلين)، وللمُفسّرين أقوال أخرى عدّدها القُرطبي في عشرَة أقوال، وقد اقترصتُ على ما وقفتُ عليه من مصادر الزيديّة، وإلاّ فإنّي وقفتُ للإمَام القاسم بن إبراهيم الرّسي عليه السلام على كلامٍ لا يغفلُ عنه النّاظر، قال عليه السلام: “وأمّا أصحَاب الأعراف. فَإنّهم: أصحَاب مَا عَلا مِن مَنازل الجنّة وأشرَف وأناف، مِن الغُرف العَاليَة، والمَنازل المُشرفة المَنيعة، التي يَرون منها لشَرفها وعُلوها النّار، وبَعض مَن يُعذّب فِيها مِمّن كَانوا يَعرفون، في الدّنيا بالختر والإسراف والتكبّر، فَيعرفونهم في النّار بسيمَاهُم، التي هي هيآتهم وحُلاهم، لا يَعرفونهم بغير ذلك منهُم، لِما غَيرت النار بأكلها مِن ألوانهم، فَيقولون عِند مَعرفتهم إيّاهم، مَا قصّه الله في كِتابه مِن قَولهم” (مجموع كُتب ورسائل الإمَام القاسم الرّسي)، نعم! والحاصلُ أنّ الأقوال معَ اختلافِها في المُؤمنين والشّهداء والصّالحين التي قالَ بها المُفسّرون بأنّهم الرّجال على الأعراف فإنّ أهل البيت سَادات ذلك كلّه عترَة النّبي صَلوات الله عليه وعليهِم وعلى أرسهِم أمير المُؤمنين عليه السّلام.
جاء في موقع عرفان: بعد أن أخرجت عقائد الزيدية من كتاب البحر الزخار، وقفت على رسالة مختصرة باسم العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين لموَلّفه العلامة الاَمير الحسين بن بدر الدين محمد المطبوع باليمن، نشرته دار التراث اليمني صنعاء، و مكتبة التراث الاِسلامي بصعده وهي من أوائل الكتب الدراسية في حقل أُصول الدين والموَلّف من أجلّ علماء الزيدية، وأكثرهم تأليفاً وتعد كتبه من أهم الاَُصول التي يعتمد عليها علماء الزيدية ويدرسونها كمناهج. فصل (في أنّ اللّه لا يُرى بالاَبصار) فإن قيل: أربك يرى بالاَبصار، أم لا يرى؟ فقل: هذه مقالة باطلة عند أُولي الاَبصار، لاَنّه لو رئي في مكان لدل ذلك على حُدُوثه، لاَنّ ما حواه محْدُودٌ محدث. فإن قيل: إنّه يرى في غير مكان. فهذا لا يعقل، بل فيه نفي الروَية، وقد قال تعالى: “لاتُدْرِكُهُ الاََبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبْصَارَ” (الاَنعام 103)، فنفى نفياً عاماً لجميع المكلفين، و (لجميع) أوقات الدنيا والآخرة. وقال اللّه تعالى لموسى ـ لما سأله الروَية ـ: “لَنْ تَرَانِي” (الاَعراف 143)، ولم يسأل موسى عليه السلام الروَية لنفسه، بل عن سوَال قومه، كما حكاه اللّه في قصص قومه: “فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوْا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ” (النساء 153)، ولو سألها لنفسه لصعق معهم. ولما لم يقع منه خطيئة إلا سوَاله لهم الروَية من دون إذن، قال لربه عزّ وجلّ: “أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنّا” (الاَعراف 155).