بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
لا تمثل قضية جيفري ابستين في جوهر التحليل السياسي المعاصر مجرد انحراف سلوكي أو واقعة جنائية عابرة، بل هي (بنية موازية) لشبكة نفوذ عالمية استطاعت تقويض المفاهيم التقليدية للعلاقة بين المال والسلطة.
إن تفكيك هذا اللغز يتطلب غوصاً عميقاً في (الجيوسياسية العميقة) التي تربط بين طموحات النخب السياسية وتطلعات الإمبراطوريات المالية العريقة، والأجندات الدولية التي تتجاوز حدود الدول القومية لتستقر في مناطق الظل الاستخباراتي.
إن تتبع المسار التاريخي لعلاقات ابستين يكشف عن (تغلغل بنيوي) في دوائر اتخاذ القرار الدولية، حيث لم يكن الرجل مجرد متبرع عابر، بل كان (مهندس قنوات خلفية) استطاع استقطاب شخصيات بمستوى رؤساء دول سابقين وقادة سياسيين نافذين إلى فضاءاته الخاصة، في إطار ما يمكن تسميته (ارتباط نفعي) يوفر للنخبة مساحات معزولة بعيداً عن الرقابة الرسمية مقابل (حصانة غير معلنة) تفتح أبواب الصفقات الكبرى. هذا التشابك يطرح تساؤلاً جوهرياً حول (آليات الابتزاز السياسي)؛ فالعلاقة مع صناع القرار في العواصم الكبرى كانت تعمل كأداة لضمان استمرارية النظام القائم على (نادي الكبار) ، حيث لعب ابستين دور (العامل المساعد) في تفاعلات معقدة بين السلطة التنفيذية والمال الخاص.
وعند الانتقال إلى الجذور المالية لهذه الظاهرة، تبرز الخيوط الممتدة إلى (عائلة روتشيلد) التي تمثل (العمود الفقري للنظام المصرفي العالمي)، إذ تشير الوثائق واللقاءات المسجلة مع أفراد من هذه العائلة إلى أن ابستين كان يتحرك ضمن (مدارات التمويل العابر للقارات). إن هذا الارتباط لم يكن مجرد علاقة استثمارية، بل كان يمثل (تلاقحاً بين المال التقليدي والذكاء المالي الحديث)، حيث برز دور ابستين كـ (وكيل مالي) يتولى مهاماً حساسة لتوجيه (السيولة الفائقة) نحو مشاريع سياسية تتوافق مع رؤية (النخبة المعلمة) ، مما جعل منه حلقة وصل حيوية في (سلسلة القيمة السياسية والمالية).
أما المحور الأكثر خطورة في هذا الملف، فيتمثل في (الدور الوظيفي) لابستين في دعم وتمويل المشاريع المرتبطة بإسرائيل، حيث تشير العلاقات الوثيقة التي جمعته بقادة سياسيين وعسكريين في تل أبيب إلى (شراكة استراتيجية) تهدف لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات تخدم العمق الأمني والتقني الإسرائيلي. وبناءً على التحليلات الرصينة، يظهر ابستين كـ (واجهة تمويلية) لعمليات معقدة تستخدم نفوذه في واشنطن لضمان استمرارية الدعم، وتوجيه الأموال عبر (شبكة من الشركات الوهمية) لدعم أجندات حساسة. إن هذا النوع من (التمويل الجيوسياسي) يفسر كيف تحول رجل واحد إلى مركز ثقل في العلاقات الدولية، حيث يختلط الدعم المالي بالجمع المعلوماتي، لتصبح القضية في نهايتها (عملية اختراق للنخبة الغربية) بتمويل من مراكز قوى تتقاطع مصالحها مع المشروع الصهيوني.
إن رحيل جيفري ابستين الغامض لم ينهِ القضية، بل فتح الباب أمام (مرحلة من المكاشفة القسرية) للنظام العالمي، متبتاً أن المستور الذي كُشف هو (انكشاف لهيكلية الحكم في الغرب)؛ حيث يُسخر المال السياسي، وتُوظف عائلات المال العريقة، وتُخدم الأجندات الاستخباراتية لصياغة واقع بعيد عن الشفافية. إننا أمام (نموذج صارخ لزواج السلطة بالمال القذر)، حيث تلاقت طموحات الرؤساء مع مليارات روتشيلد وأهداف إسرائيل في نقطة واحدة، مما يؤكد أن السيادة الوطنية باتت تواجه تحدي (الشبكات العابرة للحدود) التي تدير المشهد وفق (منطق المصالح العليا). ويظل ملف ابستين (وثيقة إدانة تاريخية) لمرحلة ساد فيها المال على القيم، ويبقى اسمه مرتبطاً بأكبر عملية (هندسة نفوذ) شهدها القرن الحادي والعشرون.