بقلم: حسين شكران العقيلي
في اللحظة التي تظن فيها أن إصبعك الذي يحرك شاشة هاتفك هو صاحب القرار في اختيار ما تشاهد، تكون قد وقعت بالفعل في الفخ الأول. خلف تلك الومضات المتسارعة وما نسميه بـ (الترندات) ، تدور رحى حرب صامتة لا تستخدم الرصاص، بل تعتمد (الرمز) قذيفةً و(الميم) شظايا. إننا نعيش في حقبة لم يعد فيها الواقع يُصنع في الميادين فحسب، بل يُهندس داخل (صندوق أسود) تتقاطع فيه المصالح العسكرية بالطقوس الرقمية الغامضة، لتتحرك الظلال في فضاء افتراضي يظنه العوام ساحة للحرية، بينما يراه العارفون بالرموز غرفة عمليات محكمة الإغلاق.
إن صناعة “الترند” في جوهرها ليست نتاجاً لعفوية الجماهير كما يروج لها، بل هي عملية (إدارة إدراك) منظمة. تبدأ الحكاية حين تتحول الخوارزميات إلى أدوات لـ (الحروب الهجينة) حيث يُدفع بوسم معين إلى الصدارة ليس لأنه الأهم، بل لأنه الأقدر على القيام بمهمة (الإلهاء الاستراتيجي) . هنا، يُسحب وعي الملايين نحو قضايا هامشية وميمات ترفيهية في ذات التوقيت الذي تُمرر فيه قرارات مصيرية أو تحركات عسكرية كبرى خلف الستار. هذا الطقس الخفي ليس مجرد صدفة تقنية، بل هو تشفير مقصود للرسائل؛ فما يراه المستخدم العادي (نكتة) أو (ترنداً) عابراً، قد يكون في حقيقته إشارة موجهة أو اختباراً لردود فعل العقل الجمعي تجاه تحول سياسي أو أمني قادم.
وتتجلى نتائج هذه الهندسة في تآكل مفهوم الحقيقة ذاته؛ إذ يصبح الحق هو ما يتم تداوله بكثرة، وتتحول الكذبة إلى واقع بمجرد أن يتبناها (الصندوق الأسود) ويضخها عبر جيوشه الإلكترونية. هذا المسار يؤدي بالضرورة إلى (تزييف الإجماع) ، حيث يجد الفرد نفسه مدفوعاً لتبني آراء لم يمحصها، خوفاً من العزلة الرقمية. إنها عملية برمجة سلوكية تجعل من المجتمعات مجرد صدى لظلال ترسمها قوى لا تظهر في الصورة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى صناعة “إنسان مبرمج” يستهلك الرموز دون وعي بجذورها أو غاياتها.
إن الآثار المترتبة على هذا الانقياد الرقمي تتجاوز حدود الشاشة لتشكل خطراً وجودياً على وعي الشعوب وسيادتها الفكرية. فحين تتحكم الظلال في “الترند”، فإنها تتحكم في بوصلة الغضب والرضا لدى الجماهير، وتستنزف طاقاتهم في معارك وهمية بعيدة كل البعد عن قضاياهم الحقيقية. إن فهم هذه الشيفرات وفك رموز الصندوق الأسود ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة للدفاع عن الوعي في عصر التضليل، فالعالم الذي يسكن خلف “الهاشتاق” هو عالم لا يرحم الغافلين، ولا يرى النور فيه إلا أولئك الذين أدركوا أن ما يظهر على الشاشة ليس إلا انعكاساً مشوهاً لما يُطبخ في غرف العمليات المظلمة.
ما وراء الـ هاشتاق شيفرات الصندوق الأسود والظلال التي تحرك الترند