كامل الدلفي
إلى/ الأستاذة مجيدة محمدي ، مجاراة لدراستها : (هل بدأ الموت السريري لفكرة الوحدة العربية. بين الضغوط الدولية، و التحولات السياسية، والفجوات الاقتصادية ).
– كامل الدلفي
لم تكن أزمة الوحدة العربية يومًا أزمة فكرةٍ مجردة، بقدر ما كانت أزمة بيئةٍ سياسيةٍ لم تسمح لهذه الفكرة أن تُختبر، أو تُراجع، أو حتى تُنتقد بجرأة. فالمفارقة التي رافقت المشروع القومي العربي منذ نشأته، أنه طُرح بوصفه مشروعًا للتحرر والنهضة، لكنه عاش في ظل أنظمة حدّت من حرية التفكير، وأغلقت المجال العام أمام أي تقييم نقدي حقيقي. لقد ارتبطت فكرة الوحدة العربية تاريخيًا بزعامات كاريزمية ورؤى أيديولوجية قومية واشتراكية، كما تجلّت في تجارب قيادات قومية بارزة. وقد طُرحت الوحدة من الأعلى، كقرار سياسي سيادي، لا كمسار تراكمي ينبع من المجتمع. وبفعل هذه الصيغة، تحولت الوحدة من مشروع تاريخي قابل للنقاش، إلى سردية شبه مقدسة، يصعب مساءلتها أو نقدها دون الوقوع في دائرة الاتهام أو التخوين. وهنا يكمن أحد أخطر معوقات التقييم: غياب الحرية التي تسمح بتحويل الفكرة من “شعار” إلى “موضوع بحث”. إن القول بأن الوحدة العربية كانت فكرة خيالية قد يبدو تبسيطًا مخلًا، لكن الأدق هو أنها أُخرجت من سياقها الواقعي بفعل الممارسة السلطوية التي جعلت منها مشروعًا فوقيًا. فقد تجاهلت هذه الدعوات، في كثير من الأحيان، حقيقة التعدد العرقي والديني والمذهبي داخل المجتمعات العربية، وافترضت وجود كتلة متجانسة يمكن دمجها بسهولة في كيان سياسي واحد. والحال أن المجتمعات العربية تتسم بتنوع عرقي وثقافي واسع، يشمل العرب والأكراد والأمازيغ وغيرهم، كما تتعدد فيها الانتماءات الدينية والمذهبية بين الإسلام بمذاهبه المختلفة، والمسيحية، والديانات الأخرى. ومن ثم، لم تكن المشكلة في التنوع ذاته، بل في غياب نموذج سياسي قادر على استيعابه. فالوحدة التي لا تعترف بالاختلاف، تتحول بالضرورة إلى مشروع إقصاء، لا مشروع اندماج. ومع نهاية الحرب العالمية الأولى، دخلت المنطقة العربية طور الدولة الوطنية، حيث تكرّست الكيانات السياسية ضمن النظام الدولي، وتتابعت في الانضمام إلى المنظومة الأممية. غير أن الخطاب الوحدوي ظل يتعامل مع هذه الدول بوصفها كيانات مؤقتة أو عقبات يجب تجاوزها، بدل أن يُعاد التفكير فيها كأطر يمكن البناء عليها. وهنا نشأ التوتر بين “الوحدة العربية” و”السيادة الوطنية”، إذ بدت الأولى في كثير من الأحيان وكأنها مشروع إلغاء للثانية، لا تطويرًا لها. ومن هذه الزاوية، يبدو الانتقال من مفهوم “الوحدة الشاملة” إلى “الاتحاد العربي” خيارًا أكثر واقعية، يتيح الجمع بين الاستقلال الوطني والتكامل الإقليمي. أما جامعة الدول العربية، فقد مثّلت الإطار المؤسسي الأبرز لهذا الطموح، لكنها بقيت أسيرة التوازنات السياسية للدول الأعضاء. ورغم ارتباط نشأتها بسياقات دولية معقدة، فإن استمرار ضعفها لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل الخارجية، بل يعكس غياب الإرادة السياسية العربية لتحويلها إلى مؤسسة فاعلة. لقد تحولت الجامعة، في كثير من الأحيان، إلى منصة خطابية تواكب الأحداث بدل أن تصنعها، وتتأخر عن الواقع بدل أن تستبق تحوّلاته. وفي قلب هذا المشهد، لعب الصراع العربي – الإسرائيلي دورًا مركزيًا في تشكيل مسار الوحدة العربية. فمنذ 1948، شكّلت القضية الفلسطينية عامل تعبئة جماعية، لكنها تحولت تدريجيًا إلى مصدر انقسام، خاصة بعد الحروب العربية–الإسرائيلية (1948، 1967، 1973)، وما تلاها من مسارات سلام منفردة، وصولًا إلى اتفاقيات أبراهام، وما رافقها من توسع في مسار التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وهكذا، انتقلت القضية من كونها رمزًا للوحدة، إلى ملف تُديره كل دولة وفق حساباتها الخاصة، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة. غير أن العامل الأعمق في كل ما سبق، يظل كامنًا في بنية النظام السياسي العربي ذاته. فالمشكلة ليست فقط في فشل مشروع الوحدة، بل في غياب الشروط التي تسمح بتقييم هذا الفشل. إذ لا يمكن الحديث عن مشروع تكاملي ناجح في ظل أنظمة لا تسمح بتداول السلطة سلميًا، ولا تفتح المجال للنقاش الحر، ولا تعترف بدور المجتمع في صناعة القرار. ومن هنا، فإن أي حديث عن إحياء الوحدة العربية، أو حتى تطويرها، يظل ناقصًا ما لم يُطرح سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن بناء تكامل حقيقي دون إصلاح سياسي عميق؟ إن إعادة التفكير في المشروع العربي اليوم تقتضي الانتقال من الحلم الأيديولوجي إلى الفعل المؤسسي، ومن الخطاب العاطفي إلى السياسات الواقعية. فبدل السعي إلى “دولة عربية واحدة”، يمكن تصور أشكال من التكامل الوظيفي تقوم على المصالح المشتركة في مجالات الاقتصاد، والتعليم، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي والمائي. غير أن هذا النموذج لن ينجح، ما لم يُبنَ على قاعدة من الشفافية، والمساءلة، والمشاركة الشعبية. في النهاية، لا تبدو الوحدة العربية فكرة ميتة، بقدر ما تبدو فكرة لم تُتح لها فرصة الحياة الطبيعية. لقد وُلدت في فضاء سياسي مغلق، وعاشت تحت وطأة السلطة، ومُنع عنها النقد الذي كان يمكن أن يُنقذها من أخطائها. ولذلك، فإن إحياءها لا يكون بإعادة إنتاج خطابها القديم، بل بتحريرها أولًا من القيود التي كبّلتها. فالوحدة التي لا تمر عبر مؤسسات ديمقراطية حديثة، وتقوم على حرية الرأي والمعتقد، وتكرّس المواطنة بوصفها هوية جامعة لجميع المختلفين، وتعترف بدور المرأة بوصفها مواطنًا كامل الحقوق والمسؤوليات، لن تكون سوى شعار… مهما بدا جميلًا في الذاكرة.
