التاسع من نيسان ، انكسار القيد وانكشاف المستور
كتب رياض الفرطوسي
ثمة تقاطع تاريخي مريب يجمع بين شواهد سقوط غرناطة ومشهد سقوط التمثال في ساحة الفردوس ببغداد في التاسع من نيسان. ففي كلتا اللحظتين، تولى المنتصر صياغة المشهد الختامي، محاولاً اختزال هزيمة أمة أو انهيار دولة في صورة مهينة لرمزها. وكما فعل المستشرق والمؤرخ الأمريكي واشنطن إيرفينج في كتابه “حكايات الحمراء”، حين رسم صورة درامية مشوهة لرحيل الملك الأندلسي لترسيخ فكرة “الاستحقاق” للمنتصر، نجد أن سقوط بغداد عام ألفين وثلاثة قد غُلف بسرديات اختزلت العراق العظيم في صورة “حفرة” أو “مخبأ”، لتجريد الحدث من عمقه الشعبي والسياسي، وتصويره كمجرد مطاردة لبطل تراجيدي مهزوم، بينما كانت الحقيقة تكمن في صرخة شعبٍ انتظر الخلاص طويلاً خلف قضبان الخوف والجوع.
في ذكرى التاسع من نيسان، يبرز السؤال الوجودي الذي غيبه ضجيج السقوط: هل رحل النظام أم تلاشت الدولة؟ كمعارضين قضينا سنوات العمر نرقبُ من المنافي والزنازين لحظة انكسار القيد، كنا نعلم أن الدكتاتورية ليست مجرد شخص، بل هي صدأ ينخر في روح المجتمع وبنيان الوطن. ويؤكد المؤرخ الفرنسي جان بيير فيليو في قراءاته لتاريخ الصراعات، أن تفكيك بنية الدولة بعد سقوط الأنظمة هو “الخطيئة الأكبر” التي تمنح الفوضى شرعية البقاء. وهذا ما يتقاطع مع تحليلات الباحث البريطاني توبي دودج الذي رأى أن الخطيئة الكبرى لم تكن في الإطاحة برأس السلطة الذي جثم على صدورنا، بل في تدمير “الجهاز الإداري” للدولة، وهو ما يصفه مركز تشاتام هاوس للأبحاث بـ “فراغ القوة” الذي حول العراق من وطن للمؤسسات إلى ساحة للصراعات الجانبية.
إن تزييف التاريخ يسير دوماً في اتجاهين متناقضين؛ فبينما حاول الإعلام الغربي اختزال النهاية في مشهد “الجحر” لكسر الروح المعنوية، يرى الكاتب باتريك كوكبيرن أن محاولة البعض تصوير الاختباء كـ “بطولة” لاحقاً لم تكن حباً في الطغيان، بل هي رد فعل يائس على فشل مشروع ما بعد السقوط. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: اختزال وطن بأكمله في مصير أفراد. فكما دقق المؤرخ البريطاني هيو تريفور روبر في وثائق السقوط التاريخية ليثبت أن “رواية المنتصر” غالباً ما تهدف لتغييب الشعوب، ندرك اليوم أن ما حدث في نيسان كان زلزالاً هدم الهيكل فوق رؤوس الجميع لأن البناء كان قد صودر لسنوات طويلة لصالح نزوات السلطة والمقابر الجماعية.
إننا اليوم، ونحن نستعيد ذكرى السقوط، نحتاج إلى وعي جديد لا يكتفي بما ترويه الشاشات، بل ينبش في الحقائق ليدرك أن الشعوب التي تصبر على الظلم تظل أسيرة لأساطير المنهزمين أو قصص المنتصرين إذا لم تمسك بزمام مصيرها. سقطت غرناطة حين تآكلت شروط بقائها من الداخل، وسقطت بغداد لأن بنية الدولة كانت قد نُهكت بالحروب العبثية. والدرس الأهم في التاسع من نيسان ليس في كيفية تواري الدكتاتور، بل في تلك اللحظة التي خلع فيها العراق ثوب الترهيب، ليبدأ رحلة البحث عن “الخاتم الضائع” في زحام التاريخ، محاولاً استعادة وطنٍ لم يكتمل حلمه بالحرية بعد.