درع الذاكرة وثبات الجغرافيا الحضارية
كتب رياض الفرطوسي
ينطلق العقل العسكري الحديث من فرضية سادية ترى في الشعوب مجرد كتل بيولوجية يمكن إعادة برمجتها عبر تحطيم “الأمان الوجودي”. إن ما جرى في العراق لم يكن مجرد عملية عسكرية لإسقاط نظام، بل كان محاولة منهجية للهندسة الاجتماعية تعتمد على “تصفير الوعي”. يشير عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان في تحليلاته حول “الحداثة السائلة” إلى أن القوة التي لا تكتفي بالهدم المادي، تسعى لتحويل الإنسان إلى كائن “عائم” بلا جذور، مقطوع عن سياقه التاريخي والاجتماعي. هذه الاستراتيجية تهدف إلى إرجاع الفرد إلى حالته البدائية الأولى، حيث يتقلص أفق تفكيره ليصبح محصوراً في غريزة البقاء داخل “خندق” أو خلف جدران مظلمة، مما يجعله في حالة ذهول تام تشبه تلك التي تصيب الكائنات المذعورة في الغابات.
هذا المشروع، الذي يمكن تسميته “بناء الذاكرة الفارغة”، يعتمد على أن قطع الاتصالات وإغراق المدن في عتمة مطلقة تحت قصف مرعب يولد انفصالاً حاداً بين الفرد وذاته. في تلك اللحظة، يتوقف العقل الجمعي عن إنتاج المعنى، وتنشط “اللوزة الدماغية” المسؤولة عن الخوف، مما يجعل الإنسان يبحث عن الأمان لا عن الحرية. لقد اعتقد منظرو “الليبرالية المتوحشة” وتلاميذ المدرسة النقدية في “معهد فرجينيا” وغيرهم من المهندسين الاجتماعيين الذين صمموا سياسات “التفتيت الخلاق”، أن تحطيم البنية التحتية والمؤسسات سيؤدي حتماً إلى تبخر الهوية الوطنية وتفكك الرابطة الاجتماعية، مما يسمح بزراعة قيم استهلاكية وسياسية هجينة فوق ركام الذاكرة المحترقة. كانوا يراهنون على أن “الإنسان المحاصر” سيتخلى عن تاريخه مقابل رغيف خبز أو لحظة هدوء، تماماً كما اقترح الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في توصيفه لحياة الإنسان البدائية بأنها “قصيرة وموحشة”.
لكن ما واجهه هذا المخطط في جوهره كان “الجدار الصخري” للثقافة المتجذرة التي لا تعرف الحدود المصطنعة. فالعقل البشري، حين يتعرض لمحاولة المحو الشامل، لا يستسلم للفراغ، بل يستدعي أقصى طاقاته الدفاعية الكامنة في الموروث الشعبي والأسطوري والديني العابر للزمان والمكان. إن ما يسميه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو “مقاومة الأجساد”، تجلى بوضوح في تشبث المجتمع برموزه العميقة، وهنا تبرز إيران كعمق استراتيجي وثقافي لهذه المقاومة؛ حيث التحمت الثقافة الحسينية بما تحمله من قيم التضحية والفداء، مع إرث الحضارة الفارسية العريق، لتشكلا معاً “درعاً سيكولوجياً” وقوة ناعمة منعت انهيار الذات الجمعية أمام آلة الحرب.
لقد تحول التهديد بالعودة إلى “العصر الحجري” إلى محفز لاستدعاء آليات التضامن المشاعي القديم، حيث أعاد الناس إنتاج حياتهم بوسائل بدائية لكن بروح جماعية صلبة استلهمت من النموذج الإيراني قدرته التاريخية على الصمود والالتفاف حول الهوية في وجه التغريب القسري. هذا التحالف غير المكتوب بين الذاكرة العراقية والمدد الثقافي الإيراني هو ما أفشل مفعول “الصدمة” التي كانت تهدف لإنتاج فردانية خائفة ومنعزلة، ليحل محلها إنسان متمسك بجذوره، يرى في العتمة فرصة لاستعادة نوره الذاتي المستمد من تاريخ حضاري مشترك لم تستطع الصواريخ الوصول إلى أعماقه.
إن الفشل الذريع لهذه النظرية يعود أيضاً إلى “المناعة التاريخية” التي اكتسبها العراقيون من توالي النكبات. فالمجتمع الذي اعتاد العيش في فوهة البركان لم يعد يرهبه وهج الانفجارات. لقد سقط النموذج “الديمقراطي” الغربي في اختبار الأخلاق قبل أن يسقط في اختبار السياسة، إذ كشف عن وجه استعلائي يحاول تحويل شعوب عريقة إلى مختبرات بشرية. ورغم الأثمان الباهظة والتصدعات الجانبية، أثبتت التجربة أن الذاكرة الجماعية ليست ملفات رقمية يمكن مسحها بصاعقة كهرومغناطيسية، بل هي كائن حي يزداد شراسة كلما حاول الآخرون وضعه في “قفص العتمة”. نجا المجتمع من المحو، لكنه بقي يصارع ندوباً داخلية، مؤكداً أن الهوية التي تُبنى بالدم والدموع لا يمكن هزيمتها بآلات الدمار أو بوعود الرفاه الزائفة.