جديد

منهجية التعامل مع التيارات المنحرفة ( الأبعاد التربوية والأمنية في الحديث النبوي)

بقلم : حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن

​يعدُّ استقراءُ النصوصِ النبويةِ بمنظورٍ «سوسيولوجيٍّ وأمنيٍّ» حديثٍ ضرورةً ملحةً في ظلِّ التجاذباتِ الفكريةِ التي تعصفُ بالبناءِ الاجتماعي، ومن هذا المنطلق، يبرزُ حديثُ رسولِ اللهِ (ص): «إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ والْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وأَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ، والْقَوْلَ فِيهِمْ والْوَقِيعَةَ، وبَاهِتُوهُمْ كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الإِسْلَامِ، ويَحْذَرَهُمُ النَّاسُ، ولَا يَتَعَلَّمُوا مِنْ بِدَعِهِمْ، يَكْتُبِ اللَّه لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ ويَرْفَعْ لَكُمْ بِه الدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَةِ» الكافي، الشيخ الكليني، ج 2، ص 375 كوثيقةٍ دستوريةٍ ومنهجٍ متكاملٍ لصياغةِ «الأمنِ الفكريِّ المستدام».
إنَّ هذا النصَّ لا يقفُ عند حدودِ التوجيهِ الدينيِّ المجرد، بل يتعداهُ ليرسمَ ملامحَ «ستراتيجيةِ دفاعٍ اجتماعي» تهدفُ إلى حمايةِ الهويةِ من التحللِ والاندثارِ أمامَ موجاتِ «التضليلِ الممنهج».
​ولفهمِ هذه المنهجية، لا بُدَّ من تفكيكِ المفرداتِ المفتاحيةِ للحديثِ ووضعِها في نصابِها «المعجميِّ والاصطلاحيِّ». فالمقصودُ بـ «أهلِ الريبِ» لغةً هم أصحابُ الشكِّ والظنونِ السيئة، واصطلاحاً يشيرونَ إلى الجماعاتِ التي تتعمدُ إثارةَ الشبهاتِ وتشويهِ الحقائقِ لزعزعةِ يقينِ المجتمع. أما «البدعةُ» فهي كلُّ أمرٍ مُحدثٍ في الدينِ ليس له أصلٌ شرعي، وتمثلُ في المفهومِ البحثيِّ «الانحرافَ الأيديولوجي» الذي يهددُ الوحدةَ المعرفية. وفيما يخصُّ «الوقيعة»، فهي في هذا السياقِ تعني «القدحَ العلمي» وكشفَ معايبِ الفكرِ المنحرفِ لتحذيرِ الناس، وليستِ الوقوعَ في أعراضِ المؤمنين. أما المفردةُ المركزيةُ «باهتوهم»، فهي مشتقةٌ من «البَهْت»، وهو في اللغةِ التحيرُ والذهول، وباهتهُ أي استقبلهُ بما يحيره، وفي السياقِ الدفاعيِّ تعني «إفحامَ الخصمِ» بالحجةِ البالغةِ والبرهانِ القاطعِ الذي يتركهُ مبهوتاً عاجزاً عن الرد.
​تبدأُ المنهجيةُ النبويةُ بتشخيصِ مكمنِ الخطرِ المتمثلِ في هؤلاءِ المرجفين، وهم أولئك الذين يمارسونَ «التشكيكَ الوظيفي» في الثوابت، لا لغرضِ البحثِ عن الحقيقة، بل لغرضِ خلخلةِ «الاستقرارِ النفسيِّ» للجماعة. إنَّ «الريب» هنا يمثلُ مرحلةَ ما قبلِ الفتنة، حيثُ يتمُّ استهدافُ «العقلِ الجمعي» وبثُّ بذورِ الفرقةِ والشكوكِ في القيمِ الحاكمة. ومن هنا، يوجبُ الحديثُ «إظهارَ البراءةِ»، وهو إجراءٌ يتجاوزُ الشعورَ القلبيَّ ليكونَ «موقفاً معلناً» يفرزُ الصفوفَ ويمنعُ حالةَ «الضبابيةِ الاجتماعية» التي يتغذى عليها أصحابُ البدع. فالوضوحُ في الموقفِ هو أولُ مراحلِ «التحصينِ الأمني»، إذ لا يمكنُ معالجةُ أيِّ اختراقٍ فكريٍّ ما لم يتمَّ تحديدُ مصادرِ هذا الاختراقِ وعزلِها فكرياً عن جسدِ الأمةِ الحي.
​وفي الانتقالِ إلى قولهِ (ص) «وأكثروا من سبّهم والقولِ فيهم والوقيعة»، فإنَّ القراءةَ التحليليةَ المعمقةَ تبتعدُ هنا عن التفسيرِ السطحيِّ الذي يحملُ دلالةَ «الشتمِ المبتذل»، فالسياقُ النبويُّ أسمى من ذلك بكثير. إنَّ المقصودَ بـ «الوقيعةِ والقولِ فيهم» هو ممارسةُ «النقدِ العلنيِّ الصارم» وكشفِ «الزيفِ المعرفي» الذي يغلفونَ به أفكارَهم. إنها عمليةُ «تعريةٍ ستراتيجية» تهدفُ إلى تحطيمِ «الهالةِ المصطنعة» التي يحيطُ بها المبتدعُ نفسَهُ لجذبِ الأتباع. فالحربُ هنا هي «حربُ مصطلحاتٍ» وصراعُ إراداتٍ معرفية، حيثُ يكونُ «السبُّ» في هذا المقامِ هو «التقبيحُ الفكريُّ» للفعلِ المنحرف، وتبيانُ بشاعتِهِ وتأثيراتِهِ الكارثيةِ على «السلمِ الأهلي».
​أما الركيزةُ الأكثرُ عمقاً في هذا الحديثِ فتتجلى في «المباهتةِ» التي تمثلُ ذروةَ «الاشتباكِ المعرفي». إنَّ «المباهتةَ» في اللغةِ والاصطلاحِ البحثيِّ هنا تعني إفحامَ الخصمِ بـ «الحجةِ الباهرةِ» التي تتركهُ مبهوتاً لا يملكُ جواباً. إنها دعوةٌ للمفكرينَ والباحثينَ لاستخدامِ «أدواتِ البحثِ العلمي» والمنطقِ الرصينِ لمواجهةِ الخرافةِ والبدعة. فعندما تُطرحُ «الحقائقُ الناصعة» أمامَ «الأباطيلِ المزخرفة»، يحدثُ نوعٌ من «الكسوفِ الفكري» للبدعة، وبذلك تتحققُ الغايةُ الأمنيةُ وهي «كيلا يطمعوا في الفساد»، أي قطعُ الطريقِ أمامَ أيِّ طموحٍ للسيطرةِ على العقولِ أو التغلغلِ في مفاصلِ المؤسساتِ الفكريةِ والدينية.
​ومن الناحيةِ «التربويةِ»، يضعُ الحديثُ برنامجاً لـ «التربيةِ الوقائية»، حيثُ يربطُ بينَ التحذيرِ وبينَ «منعِ التعلم» من هؤلاء، مشدداً على أهميةِ «الرقابةِ المعرفية» للأجيالِ الناشئة. فالمجتمعُ الذي لا يمتلكُ «جهازَ مناعةٍ فكري» هو مجتمعٌ معرضٌ للاستلابِ في أيِّ لحظة. إنَّ الوعيَ الجماهيريَّ بـ «مكامنِ الضلال» يخلقُ حالةً من «النفورِ التلقائي» من الأفكارِ الهدامة، مما يقللُ التكلفةَ التي قد تدفعُها الدولةُ أو المجتمعُ في حالِ تفشي هذه البدعِ وتحولِها إلى حركاتٍ تمرديةٍ أو كياناتٍ موازيةٍ تهددُ «سيادةَ الدولةِ» واستقرارَها.
​إنَّ الحديثَ يختمُ بربطِ هذا العملِ الجهاديِّ بـ «الدرجاتِ العاليةِ في الآخرة»، ليعطيَ «شرعيةً قدسية» للدفاعِ عن الحقيقة، ويؤكدَ أنَّ «الباحثَ الأكاديمي» والمصلحَ الاجتماعيَّ الذي يتصدى للتياراتِ المنحرفةِ هو في حقيقةِ الأمرِ يمارسُ عبادةً كبرى. إنَّ «بناءَ الوعي» هو أعظمُ أنواعِ الاستثمارِ البشري، وحمايةُ هذا الوعيِ من «التلوثِ بالبدع» هي الضمانةُ الوحيدةُ لبقاءِ رسالةِ الإسلامِ نقيةً وصافيةً كما أرادها صاحبُ الرسالةِ (ص).
​وفي الختام، يتبينُ لنا أنَّ هذا المنهجَ النبويَّ يمثلُ رؤيةً شموليةً تدمجُ بينَ صرامةِ «الموقفِ الأمني» ونبلِ «الغايةِ التربوية». إنها دعوةٌ صريحةٌ للنباهةِ وعدمِ الاستكانةِ أمامَ كلِّ ما يحاولُ العبثَ بـ «الأمنِ القوميِّ المعرفي»، وهي مسؤوليةٌ ملقاةٌ على عاتقِ كلِّ قلمٍ حرٍّ وعقلٍ مدركٍ يسعى لصيانةِ «الكرامةِ الإنسانية» وحمايةِ المجتمعِ من الانزلاقِ نحو «الفوضى الفكرية» التي هي مقدمةٌ لكلِّ أنواعِ الفوضى الماديةِ والاجتماعية.