جديد

دراما السقوط الانيق

دراما السقوط الأنيق

كتب رياض الفرطوسي

لم يعد الانفصام بين القول والممارسة مجرد ثغرة في سلوك النخبة، بل استحال إلى “وظيفة وجودية” تتطلب مهارة عالية في التكيف. نحن اليوم أمام كائن بشري جديد، يتنقل بين هوياته المتناقضة بسلاسة تثير الدهشة، حيث لم يعد “المثقف” يبحث عن الاتساق مع ذاته، بل عن الكفاءة في أداء الدور الذي يمنحه الحظوة. إن هذا التعدد في الشخصيات داخل الجسد الواحد يحول القيم الكبرى إلى مجرد “ديكورات” يتم تبديلها حسب طبيعة الغرفة أو الجمهور، مما يجعل من الفضيلة مجرد لغة بلا رصيد، ومن الانتهازية مهارة اجتماعية يُحتفى بها.

هذه الحالة تذكرنا بما طرحه عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان في نظريته عن “عرض الذات”، حيث يرى أن الأفراد في حياتهم اليومية ليسوا سوى ممثلين على خشبة مسرح، لكن المأساة في النسخة المعاصرة للنخبة هي أن “المسرح” ابتلع “الواقع” تماماً. لم يعد هناك خلف كواليس؛ بل أداء مستمر يبرره المثقف بلغة معقدة لإخفاء نزعاته البدائية وفساده المستتر. وهنا تبرز رؤية الفيلسوف الإيطالي جورجو أغامبين حول “الإنسان المستباح”، الذي يعيش في حالة استثناء دائم؛ فالنخبة اليوم تعفي نفسها من المعايير الأخلاقية التي تنادي بها، وتعتبر أن مكانتها تمنحها الحق في ممارسة التناقض كنوع من “الحصانة الفكرية”.

إن هذا التواطؤ الجمعي على قبول الكذب المنظم يعيدنا إلى تحذيرات زيجمونت باومان حول “الحداثة السائلة”، حيث تذوب الثوابت ويصبح كل شيء قابلاً للتفاوض، بما في ذلك الحقيقة نفسها. إن الخطورة لا تكمن في وجود “كاذب” و”مخدوع”، بل في تحول الكذب إلى نظام تواصل لا يمكن العيش بدونه. فاللغة التي كان من المفترض أن تكون جسراً للوعي، صارت أداة لتزييف الأرشيف وبناء سرديات انغلاقية ترفض الآخر وتحتقر الحياد. وفي هذا المناخ، يصبح التواضع الفكري ضرباً من الضعف، ويتحول البحث عن أرضية مشتركة إلى خيانة للقبيلة أو الحزب.

لقد وصلنا إلى لحظة “العري الكامل”، حيث لم يعد النفاق بحاجة إلى تستر؛ بل صار يُمارس كاستعراض للقوة والمناورة. إن سقوط الأقنعة الذي نراه اليوم في الفضاءات العامة والمنصات الرقمية ليس إلا إعلاناً عن انتصار “مجتمع الفرجة” على مجتمع القيم. وفي ظل هذا الجنون الجماعي وهوس الانتصار للذات، تتلاشى فرص الحوار الحقيقي، ويصبح قول الصدق “فعلاً ثورياً” في عالم استمرأ العيش في وهم السرديات المحبوكة التي تجمّل القبح وتمنحه صفة المبدأ.