د. فاضل حسن شريف
جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله عز وجل “هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا” (الفتح 25) “لو تزيلوا” أي لو تميز المؤمنون من الكافرين “لعذبنا الذين كفروا منهم” (الفتح 25) أي من أهل مكة “عذابا أليما” (الفتح 25) بالسيف والقتل بأيديكم ولكن الله تعالى يدفع المؤمنين عن الكفار فلحرمة اختلاطهم بهم لم يعذبهم.
عن أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة في غيره، و صلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي. ثم قال إن الله فضل مكة و جعل بعضها أفضل من بعض فقال تعالى “وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى” (البقرة 125) و قال: إن الله فضل أقواماً و أمر باتباعهم و أمر بمودتهم في الكتاب). (كامل الزيارات).
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا” (الفتح 25) وقوله: “لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما” (الفتح 25) التزيل التفرق وضمير “تزيلوا” لجميع من تقدم ذكره من المؤمنين والكفار من أهل مكة أي لو تفرقوا بأن يمتاز المؤمنون من الكفار لعذبنا الذين كفروا من أهل مكة عذابا أليما لكن لم نعذبهم لحرمة من اختلط بهم من المؤمنين. وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله عز وجل “هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا” (الفتح 25). قوله تعالى “لَو تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً” (الفتح 25). أي لو تميز كل فريق عن الآخر، وعرف المسلم من الكافر لأذن اللَّه للمسلمين بقتال الكافرين، وأنزل بهم أشد العذاب.
جاء في الموسوعة الإلكترونية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت عليهم السلام: صلح الحديبية معاهدة عُقدت بين مشركي قريش ورسول الله صلی الله عليه وآله وسلم في سنة 6 هـ في منطقة الحديبية، وقد وردت الإشارة لها في سورة الفتح. وقع هذا الصلح بعد توجه المسلمين إلى مكة لأداء مناسك الحج فمنعتهم قريش من دخول مكة بعد أن أرسل لهم النبي الأكرم عثمان بن عفان ليخبرهم بمجئ المسلمين وسبب مجيئهم. وصل خبر للمسلمين عن مقتل موفدهم لقريش فاجتمعوا حول النبي وبايعوه تحت الشجرة على الموت وسميت هذه البيعة بـ(بيعة الرضوان)، وبعد أن تبين كذب خبر قتل عثمان بن عفان جاء وفد من قريش لرسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ووقّعوا معه معاهدة نصت على بعض الأمور ومنها عقد هدنة لمدة عشر سنوات بين الطرفين. لم يستمر صلح الحديبية كثيرا فقد نقضت قريش المعاهدة بعد عامين بمناصرتهم بني بكر بالسلاح وقتالهم معهم ضد خزاعة الذين كانوا من الداخلين في عقد رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم. الحُدَيْبِيَةُ وهي قرية متوسطة ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بويع رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، تحتها، وقيل: أنها سميت الحديبية بشجرة حدباء كانت في ذلك الموضع، وبين الحديبية ومكة مرحلة، وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم. الخلفية والأسباب: في شهر ذي القعدة في سنة 6 هـ رأى رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم في الرؤيا أنه دخل البيت الحرام وحلق رأسه ووقف في عرفات، وقد صدّق الله تعالى رؤيا نبيه بقوله: “لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً” (الفتح 27) بعد هذا الوعد الإلهي استنفر رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم أهل المدينة والعرب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه، وكان يخشى أن يعرض له قريش بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول اللَّهصلی الله عليه وآله وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحِق به من العرب، وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له، وقال الشيخ المفيد: كان اللواء يومئذ إلى أمير المؤمنينعليه السلام كما كان إليه في المشاهد قبلها.
عن لأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله عز وجل “هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ۚ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا” (الفتح 25) ولإكمال الموضوع تضيف الآية: “ليدخل الله في رحمته من يشاء” (الفتح 25). أجل، كان الله يريد للمستضعفين المؤمنين من أهل مكّة أن تشملهم الرحمة ولا تنالهم أية صدمة. كما يرد هذا الإحتمال أيضاً وهو أنّ أحد أهداف صلح الحديبيّة أنّ من المشركين من فيه قابلية الهداية فيهتدي ببركة هذا الصلح ويدخل في رحمة الله. والتعبير بـ (من يشاء) يراد منه الذين فيهم اللياقة والجدارة، لأنّ مشيئة الله تنبع من حكمته دائماً، والحكيم لا يشاء إلاّ بدليل ولا يعمل عملاً دون دقّة وحساب. ولمزيد التأكيد تضيف الآية الكريمة: “لو تزيلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً” (الفتح 25) أي لو افترقت وانفصلت صفوف المؤمنين والكفار في مكّة ولم يكن هناك خطر على المؤمنين لعذّبنا الكفار بأيديكم عذاباً أليماً. صحيح أنّ الله قادر على أن يفصل هذه الجماعة عن الآخرين عن طريق الإعجاز، ولكنّ سنّة الله في ما عدا الموارد الإستثنائية أن تكون الأُمور وفقاً للأسباب العاديّة. جملة (تزيلوا) من مادة زوال، وهنا معناها الإنفصال والتفرّق. ويستفاد من روايات متعدّدة منقولة عن طرق الشيعة والسنّة حول ذيل هذه الآية أنّ المراد منها أفراد مؤمنون كانوا في أصلاب الكافرين والله سبحانه لأجل هؤلاء لم يعذّب الكافرين. ومن جملة هذه الروايات نقرأ في الرواية أنّه سأل رجلٌ الإمام الصادق عليه السلام: ألم يكن علي عليه السلام قوياً في دين الله؟ قال عليه السلام: بلى. فقال: فعلام إذ سُلّط على قوم (في الجمل) لم يفتك بهم فما كان منعه من ذلك؟ فقال الإمام: آية في القرآن فقال الرجل: وأية آية؟ فقال الصادق عليه السلام قوله تعالى: “لو تزيلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً” (الفتح 25).. ثمّ أضاف عليه السلام: أنّه كان لله عزَّ وجلَّ ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، ولم يكن علي ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع.. وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عزَّ وجلّ. أي أن اللّه سبحانه يعلم أنّ جماعة سيولدون منهم في ما بعد وسيؤمنون عن إختيارهم وإرادتهم ولأجلهم لم يعذب اللّه أباءهم وقد أورد هذا القرطبي في تفسيره بعبارة اُخرى. ولا يمنع أن تكون الآية مشيرة إلى المؤمنين المختلطين بالكفّار في مكّة وإلى المؤمنين الذين هم في أصلاب الكافرين وسيولدون في ما بعد.
عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: بني الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين والقرينتين قيل له: أما الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرينتان؟ قال: الصلاة والزكاة، فإنه لا يقبل أحدهما إلا بالأخرى، والصيام، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وختم ذلك بالولاية، فأنزل الله عز وجل: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة 3). الأمالي للطوسي ص 518 البرهان ج 2 ص 225 غاية المرام ج 1 ص 320 كشف المهم في طريق خبر غدير خم ص 180 بحار الأنوار ج 65 ص 379 وسائل الشيعة ج 1 ص 27 بعضه.
من دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة: فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ، مِنْ مُبْدِئٍ مُعيد، حَميدٍ مجيد، تَقَدَّسَتْ أَسْماؤُكَ، وَعَظُمَتْ آلاؤُكَ، فَأَيُّ نِعَمِكَ يا إِلهي أُحْصي عَدَداً وَذِكْراً، أَمْ أَيُّ عَطاياكَ أَقُومُ بِها شُكْراً، وَهِيَ يا رَبِّ أَكْثرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعادّوُنَ، أَوْ يَبْلُغَ عِلْماً بِهَا الْحافِظُونَ ثُمَّ ما صَرَفْتَ وَدَرَأْتَ عَنّى اَللّهُمَّ مِنَ الضُرِّ وَالضَّرّآءِ، أَكْثَرَ مِمّا ظَهَرَ لي مِنَ الْعافِيَةِ وَالسَّرّآءِ، وَأَنَا أَشْهَدُ يا إِلهي بِحَقيقَةِ إيماني، وَعَقْدِ عَزَماتِ يَقيني، وَخالِصِ صَريحِ تَوْحيدي، وَباطِنِ مَكْنُونِ ضَميري، وَعَلائِقِ مَجاري نُورِ بَصَري، وَأَساريرِ صَفْحَةِ جَبيني، وَخُرْقِ مَسارِبِ نَفْسي، وَخَذاريفِ مارِنِ عِرْنَيني، وَمَسارِبِ صِماخِ سَمْعي، وَما ضُمَّتْ وَأَطبَقَتْ عَلَيْهِ شَفَتايَ، وَحرِكاتِ لَفظِ لِساني، وَمَغْرَزِ حَنَكِ فَمي وَفَكّي، وَمَنابِتِ أَضْراسي، وَمَساغِ مَطْعَمي وَمَشْرَبي، وَحِمالَةِ اُمِّ رَأْسي، وَبُلُوغِ فارِغِ حبائِلِ عُنُقي، وَمَا اشْتَمَلَ عَليْهِ تامُورُ صَدري، وَحمائِلِ حَبْلِ وَتيني، وَنِياطِ حِجابِ قَلْبي، وَأَفْلاذِ حَواشي كَبِدي، وَما حَوَتْهُ شَراسيفُ أَضْلاعي، وَحِقاقُ مَفاصِلي، وَقَبضُ عَوامِلي، وَأَطرافُ أَنامِلي، وَلَحْمي وَدَمي، وَشَعْري وَبَشَري، وَعَصَبي وَقَصَبي، وَعِظامي، وَمُخّي وَعُرُوقي، وَجَميعُ جَوارِحي، وَمَا انْتَسَجَ عَلى ذلِكَ أَيّامَ رَِضاعي، وَما أَقلَّتِ الأَرْضُ مِنّي، وَنَوْمي وَيقَظَتي، وَسُكُوني وَحرَكاتِ رُكُوعي وَسُجُودي، أَنْ لَوْ حاوَلْتُ وَاجْتَهَدْتُ مَدَى الأَعصَارِ وَالأَحْقابِ – لَوْ عُمِّرْتُها – أَنْ أُؤَدِّي شُكْرَ واحِدَةٍ مِنْ أَنْعُمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ذلِكَ إِلاّ بِمَنِّكَ الْمُوجَبِ عَلَيَّ بِهِ شُكْرَاً آنِفاً جَديداً، وَثَناءً طارِفاً عَتيداً.