جديد

طرد وإهانة هادي العامري في ذي قار.. من يقف خلف المشهد ومن المستفيد؟

إيهاب مقبل

شهدت محافظة ذي قار جنوب العراق، يوم الجمعة 10 أبريل نيسان 2026، حادثة مثيرة للجدل خلال فعالية تأبينية لاستشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي في 28 فبراير شباط، بعدما تحول حضور السياسي البارز هادي العامري إلى حالة من التوتر والاعتراض من قبل بعض الحاضرين، ما أدى إلى فوضى ومشادات كلامية، وانتهت بخروجه من موقع الحدث وسط تدخل حمايته، مع تداول أنباء عن إطلاق نار واحتكاكات محدودة.

في ذي قار، لم تكن حادثة طرد هادي العامري مجرد “فوضى عابرة” في مجلس تأبيني، بل كانت لحظة مكثّفة كشفت ما يغلي تحت السطح في العراق: “غضب، انقسام، وصراع نفوذ لم يعد يُدار خلف الكواليس بل على مرأى الناس”.

هادي العامري، 71 عامًا، سياسي عراقي، شغل سابقًا منصب وزير النقل في العراق، وهو عضو في مجلس النواب العراقي. كما يتولى قيادة منظمة بدر الموالية للمرشد الأعلى الإيراني، وله دور بارز ضمن تشكيلات الحشد الشعبي، باعتباره أحد القيادات المرتبطة بعدة فصائل فيه.

المشهد كان صادمًا: زعيم سياسي مخضرم، له تاريخ طويل في السلطة والنفوذ، يُقابل بالرفض العلني، بالهتافات، وبالإهانة. هذه ليست مجرد حادثة بروتوكولية خرجت عن السيطرة، بل رسالة سياسية واجتماعية ثقيلة: الهيبة القديمة لم تعد كما كانت، والشارع لم يعد صامتًا.

السؤال الأهم ليس ماذا حدث، بل لماذا حدث الآن؟

الجواب يبدأ من التحولات الكبرى في المنطقة. بعد العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران وما تبعه من تهدئة حذرة، وجد الداخل العراقي نفسه بلا “عدو خارجي مباشر” يجمّد الخلافات. وهنا، بدأت التناقضات الداخلية بالظهور بوضوح. ما كان يُدار سابقًا تحت شعار “وحدة الصف” بدأ يتفكك إلى صراعات نفوذ حقيقية.

في هذا السياق، يصبح ما جرى في ذي قار مفهومًا: غضب شعبي متراكم، انقسام داخل البيئة الشيعية، وشعور متزايد لدى الناس بأن القيادات السياسية لم تعد تمثلهم كما في السابق. هذه العوامل مجتمعة انفجرت في لحظة واحدة، وكان العامري هو الوجه الذي تلقى الصدمة.

لكن السياسة لا تعرف الفراغ، وكل حادثة لها مستفيدون.

وقبل تفكيك خريطة المستفيدين، من الضروري توضيح نقطة أساسية كثيرًا ما يُساء فهمها: “عشائر بني خيگان (أو بني خيكان) ليست محسوبة رسميًا لا على منظمة بدر ولا على التيار الصدري”.

طبيعة العشائر في العراق تختلف جذريًا عن الأحزاب. العشيرة ليست كيانًا سياسيًا موحدًا، ولا تتحرك ككتلة واحدة. داخل العشيرة الواحدة يمكن أن تجد مؤيدين لمنظمة بدر، وآخرين للتيار الصدري، وآخرين مستقلين أو حتى معارضين للجميع.

بمعنى أوضح: الانتماء في العراق غالبًا فردي، وليس عشائريًا موحدًا.

أما بالنسبة لبني خيگان تحديدًا في ذي قار، فهي تُعد من العشائر المحلية المهمة، لكنها تاريخيًا لم تُعرف بأنها “تابعة” لجهة سياسية واحدة. عمليًا، داخلها تنوع واضح، وبعض مناطقها تميل أحيانًا للتيار الصدري، خصوصًا بين الشباب، بينما تميل مناطق أخرى لقوى مختلفة.

بناءً على ذلك، فإن ما حدث لا يمكن تفسيره على أنه “تمرد داخل بدر”. بل هو أقرب إلى:

أولًا: رد فعل محلي شعبي، حيث رفض جزء من الحضور وجود العامري، وليس بالضرورة قرارًا عشائريًا موحدًا.

ثانيًا: احتمال وجود تأثير غير مباشر للتيار الصدري، بحكم حضوره الشعبي في الجنوب، سواء عبر أفراد داخل العشيرة أو عبر التأثير على المزاج العام.

لكن من المهم التأكيد: لا يوجد دليل قاطع على أن العشيرة “صدريّة بالكامل”.

الخلاصة في هذه النقطة: بني خيگان ليست عشيرة بدر ولا عشيرة صدريّة، بل عشيرة متنوعة سياسيًا، وما حدث يُرجح أنه موقف من مجموعة داخلها أو من الحضور، وليس قرارًا رسميًا باسمها.

أولًا: التيار الصدري.. المستفيد الأوضح ولو بشكل غير مباشر
لماذا يستفيد؟ لأنه المنافس الأكبر لمنظمة بدر، ولأن المشهد يوصل رسالة قوية إلى الإعلام: “العامري مرفوض شعبيًا حتى داخل بيئة شيعية”. كما يعزز هذا الحدث خطاب التيار القائم على معارضة “الأحزاب التقليدية”، ويغذي موقفه الناقد للنفوذ الإيراني في العراق ولو جزئيًا. حتى لو لم يكن وراء ما حدث، فإنه يبقى أكبر من يربح سياسيًا من صور الإهانة والطرد.

ثانيًا: خصوم العامري داخل الإطار التنسيقي
داخل المعسكر الشيعي نفسه يوجد صراع واضح على النفوذ والقيادة. إضعاف العامري علنًا يفتح الباب أمام قيادات أخرى للتقدم. الرسالة هنا واضحة: “العامري لم يعد يملك السيطرة الشعبية الكاملة كما في السابق”.

ثالثًا: الجمهور الغاضب.. المستفيد المعنوي
هذا ليس طرفًا سياسيًا منظمًا، لكنه عنصر حاسم. ما الذي يربحه؟ التعبير عن رفض الطبقة السياسية، وكسر “هيبة” شخصية قوية. مثل هذه الأحداث تعطي شعورًا متزايدًا بأن “الشارع قادر على إحراج السياسيين”، وهو تطور بالغ الأهمية في ميزان القوة داخل العراق.

رابعًا: أطراف إقليمية ولو بشكل غير مباشر
أي إضعاف لشخصية قريبة من إيران مثل العامري قد يُفسَّر على أنه إضعاف لنفوذ طهران داخل العراق. لذلك، فإن خصوم إيران إقليميًا قد يرون في هذه الحادثة مكسبًا معنويًا أو إعلاميًا، حتى لو لم يكونوا طرفًا مباشرًا فيها.

لكن من لا يستفيد؟ بوضوح: منظمة بدر نفسها.

ما حدث شكّل إحراجًا علنيًا لها، وأظهر اهتزاز صورة قيادتها، بل وكشف ضعف السيطرة في بيئة يُفترض أنها قريبة منها.

الخلاصة التحليلية للمشهد
المستفيد الأكبر سياسيًا: التيار الصدري، مستفيدون ثانويون: خصوم العامري داخل البيت الشيعي، مستفيد شعبي: الشارع الغاضب على السياسيين العراقيين.

وأهم نقطة يجب الانتباه لها: ليس شرطًا أن “المستفيد هو من دبّر الحادثة”. في العراق، كثيرًا ما تتحول حادثة عفوية إلى مكسب سياسي كبير عبر الاستغلال السريع.

لكن الأخطر من كل ذلك، هو ما تكشفه الحادثة عن المستقبل.

هل يمكن أن تتكرر؟ الجواب: نعم، وبشكل أكبر.

العراق اليوم يعيش حالة هدوء هش، أشبه بغطاء رقيق فوق بركان. طالما أن الأسباب العميقة لم تُحل، الغضب الشعبي، الصراع السياسي، ضعف الدولة، عدم معالجة ملفات الفساد، تردي خدمات الكهرباء والماء، فإن تكرار مثل هذه الحوادث ليس احتمالًا، بل مسارًا شبه حتميًا.

المشكلة أن التكرار لا يكون بنفس الشكل دائمًا. اليوم طرد وإهانة، غدًا قد يكون اشتباكًا أوسع، وبعده ربما مواجهة مفتوحة. التصعيد في العراق غالبًا يبدأ صغيرًا، ثم يتضخم بسرعة غير متوقعة.

حادثة ذي قار ليست النهاية، بل إشارة بداية. بداية لمرحلة قد تشهد انتقال الصراع من الغرف المغلقة إلى الشارع، ومن التصريحات إلى الاحتكاك المباشر.

وفي بلد مثل العراق، هذا التحول لا يمكن الاستهانة به.

السؤال الذي يبقى مفتوحًا: هل تستوعب القوى السياسية العراقية الرسالة وتعيد ضبط المشهد، أم أن القادم سيكون أكثر فوضى؟

الإجابة، كما يبدو حتى الآن، لم تُحسم بعد.

مقطع منشور على شبكة الإنترنت يوثق الحادثة

انتهى