عدنان عبدالله الجنيد.
انكسار الأقفال على صخرة الجغرافيا.. لماذا ينتحر الحصار الأمريكي عند شواطئِ إيران؟
في اللحظة التي أعلن فيها دونالد ترامب فرضَ حصارٍ بحريٍّ شاملٍ على الموانئ الإيرانية عبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، لم تكن واشنطن تُسدِل الستار على جولة مفاوضات إسلام آباد الفاشلة فحسب، بل كانت تُطلق رصاصةً طائشةً في جسد الاستقرار العالمي نفسه. لقد جاء هذا القرار كرد فعلٍ انتقاميٍّ بعدما اصطدمت الغطرسة الأمريكية بنِدّيةٍ إيرانيةٍ صلبة؛ فواشنطن التي ذهبت لتنتزع استسلاماً، وجدت نفسها أمام مفاوضٍ يقرأ موازين القوى بعينٍ لا ترمش، مما حول الحصار من أداة سياسية إلى صرخة عجزٍ ميداني.
حصارٌ وُصِفَ بأنه إجراء حاسم، لكنه في ميزان الجغرافيا والتاريخ ليس أكثر من محاولةٍ لحبس الريح في شباك الصيّادين؛ فإيران ليست جزيرةً قابلةً للاختناق، بل قارةُ إرادةٍ اعتادت أن تحوِّل الضغط إلى طاقة، والعقوبات إلى خبرة، والتهديد إلى معادلة ردع.
أولاً: الحصانةُ الداخلية – دولةُ الاكتفاء لا دولةُ الأرصفة
يخطئ تجّارُ السياسة في واشنطن حين يتخيّلون أنهم يحاصرون اقتصاداً هشّاً يعيش على فتات السفن. نحن أمام دولةٍ تضرب جذورها في عمقٍ زراعيٍّ ومائيٍّ واسع؛ حيث تمتدّ الأراضي الزراعية الإيرانية على 88 مليون فدان، وتجري في عروقها مياه 30 نهراً دائمًا، تغذيها ثلوج 41 ألف قمة جبلية.
هذا العمق لم يمنح طهران أمنًا غذائيًا فحسب، بل حوّلها إلى واحدة من أكبر القواعد الصناعية في المنطقة، بأكثر من 100 ألف منشأة صناعية، راكمت خبرة أربعة عقود من المواجهة.
هنا، يتحوّل سلاح الحرمان إلى نصلٍ كليل؛ لأن المجتمع الذي يصنع ما يلبس ويزرع ما يأكل لا يُجَوَّع من البحر، ولا تُركِعه البوارج.
الاكتفاء هنا ليس خياراً اقتصادياً، بل عقيدةُ صمود.
ثانياً: كماشةُ المضائق – حين يصبح الحصارُ خناقاً عكسياً
وسط ضجيج الأساطيل، تبرز الحقيقة الجيو–عسكرية الأشد وقعاً: الجغرافيا منحت طهران مفاتيح الملاحة العالمية عبر فكَّي كماشة لا ترحم: هرمز شرقاً، وباب المندب غرباً.
هنا، لا يعود الحصارُ عزلًا لطرفٍ واحد، بل تفعيلًا لخيارٍ ملاحيٍّ قاسٍ: إغلاق البوابات أمام التجارة المتجهة إلى يافا المحتلة، وقطع الشرايين التي تُغذّي اقتصاد الحرب.
إلى الغرب يقف باب المندب شاهداً على فشل الحصار؛ حيث يمر عبره 10-12% من التجارة العالمية، وأكثر من 4 ملايين برميل نفط يومياً.
وبما أن 98% من سفن الشحن المتجهة لأوروبا تمر عبر قناة السويس، فإن إغلاق هذا الممر يعني رحلة بديلة حول رأس الرجاء الصالح بتكاليف مضاعفة.
إنها استراتيجية الخنق المتبادل التي تجعل واشنطن وتل أبيب تحت الحصار الفعلي قبل طهران.
ثالثاً: استنزاف الأساطيل – حين تتحوّل الأرقام إلى شهادة إدانة
الأرقام هنا لا تكذب، ولا تجامل.
ففي البحر الأحمر وحده، انخفضت حركة الشحن بنسبة تقارب 90%، بينما استُنزفت القوات الأمريكية في تشغيلٍ محموم تجاوز 30 ألف ساعة طيران، وأُطلِق أكثر من 60 صاروخاً جو–جو، واستهلكت واشنطن من صواريخ توماهوك أكثر مما اشترته في عامٍ كامل.
الأخطر من ذلك، خسارةُ عدة طائرات MQ-9 تُقدَّر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات، وصولاً إلى إقالة قائد مدمّرة أمريكية بعد فشله في حماية سفنٍ كان يُفترض أنها تحت المظلة،(في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس نصرةً لغزة).
خناقُ المتوسط: ليس بابُ المندب معبرًا بحريًا فحسب، بل عُقدةٌ استراتيجية تتحكّم بمصير الملاحة نحو يافا وأوروبا.
فعندما يُهدَّد هذا الممر، ينقلب البحر الأبيض المتوسط من فضاء نفوذٍ إلى ساحة اختناق، وتُجبَر السفن على الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بكلفةٍ وزمنٍ يضاعفان ثمن الحرب قبل أن تبدأ.
إنها لحظة سقوطٍ جيوسياسيٍّ تجعل من المتوسط مرآةً لارتداد الحصار على صانعيه، حيث تتقاطع التجارة بالطاقة بالأمن، في خناقٍ يسبق سقوط يافا قبل أن يبلغ طهران.
أما في مضيق هرمز، فقد تحوّل الحضور الأمريكي من استعراض قوة إلى تموضعٍ دفاعيٍّ محض؛ حيث تفرض الجغرافيا منطقها، وتفشل كثافة النيران في كسر إرادة المكان.
والمفارقة القاسية أن واشنطن تدفع ثمن هذا الحصار الفاشل من خزينتها قبل أن يصل أثره إلى الداخل الإيراني؛ فتشغيل الأسطول الأمريكي في الشرق الأوسط يستهلك قرابة 30 مليون دولار يومياً.
إنه حصارٌ لا يُجَوِّع إيران، بل يستنزف الخزانة الأمريكية، ويحوّل البحر من أداة ضغط إلى فاتورة إفلاس مفتوحة.
رابعاً: لماذا يتنبّأ الخبراء بالفشل؟
ثلاثة ألغام تحت القرار
لوجستيات المستنقع: فحصار ساحل لا يقل طوله عن 2800 كيلومتر لا يمكن فرضه دون استنزاف لوجستي هائل.
كلفة التشغيل اليومية التي تجاوزت 600 مليون دولار شهرياً في سيناريوهات مشابهة، تضمن الاستنزاف لا النصر.
عزلةُ القرار: غيابُ التحالف الواسع يُجرِّد الحصار من شرعيته ويحوّله إلى فعلٍ أحاديٍّ قابلٍ للاختراق، فيما قوى كبرى لن تقبل بخنق إمدادات طاقتها.
زلزالُ الأسعار: عبور 20-21 مليون برميل نفط يومياً عبر هرمز يعني أن أي تعطيل سيُسقط 20-30% من إمدادات العالم.
السكتة القلبية للاقتصاد ليست سيناريو بعيداً، بل معادلة حتمية: إغلاق المضيق = 435 مليون دولار خسائر يومية + قفزة جنونية في أسعار الطاقة.
وهنا قد يجد ترامب نفسه مخنوقاً بطوابير الغضب أمام محطات الوقود في كاليفورنيا؛ فالناخب الأمريكي لن يغفر لرئيسه مغامرةً تجعل من جالون البنزين ضريبةً لحربٍ عبثية.
القفلة: مأزقُ المقامر
في نهاية المطاف، يتقن الإيرانيون لعبة حافة الهاوية لأنهم يُديرونها بعقل الجغرافيا لا بانفعال السياسة.
الحصار ليس استراتيجية نصر، بل صرخة مقامرٍ خسر أوراقه فاختار حرق الطاولة.
والحقيقة المُرّة التي ستتكشّف في مياه الخليج أن الموانئ التي ظنّها القرار مغلقة قد تتحوّل إلى منصّات إشعال.
ففي البحر الأحمر وحده، خسرت أمريكا طائرات MQ-9 بعشرات الملايين، وأُسِر أو قُتِل أفراد من قواتها، وأُقيل قادة مدمرات، واستنزفت خزينتها بأكثر من 30 مليون دولار يومياً.
الجغرافيا—حين تُستفَز—تكتب كلمتها الأخيرة ليس بصواريخ توماهوك، بل بجثث طياريها وفواتير حربها.
الحصار خيارٌ فاشل، لا لأن أمريكا ضعيفة، بل لأن إيران أعند من أن تُحبس في قفص، والبحر لا يغفر للمغامرين