جديد

المظاهر الخداعة والنرجسية: تضخم الصورة وانكماش الذات

رياض سعد

تمهيد
ليس المرض في أن يكون الإنسان صغيراً، بل في أن يظن نفسه كبيراً… ؛ ظاهرة “النفخة الكذابة والادعاءات الفجة ” ليست مجرد هوس بالظهور، بل اضطراب وجودي يمزج بين النرجسية المرضية والخداع الذاتي، حيث يعيش الفاعل في فجوة سحيقة بين وهمه وحقيقته، بين صورته المنعكسة في مرآة وهمه وجوهره الذي لا يخدع أحداً غيره .
في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بما يظهر لا بما يُبنى في الداخل ؛ تتكاثر ظاهرة يمكن تسميتها بـ«تضخم الصورة»؛ حيث يصنع بعض الأفراد لأنفسهم هيئةً أكبر من حقيقتهم، ويحيطونها بضجيجٍ من الادعاءات والعلاقات والقدرات المبالغ فيها.
ليست المشكلة في الرغبة الطبيعية في التقدير، بل في تحوّل هذه الرغبة إلى قناعٍ دائم، يخفي هشاشةً داخلية ويستبدلها بصورةٍ مصطنعة .
نعم , ليست النفخة الكذّابة وصفاً عابراً نطلقه على هذا أو ذاك في ساعة ضجر، بل هي تشخيص دقيق لحالة نفسية واجتماعية مركبة، يمكن أن نطلق عليها، بشيء من التبسيط، “تضخم الأنا المصحوب بضمور الماهية”… ؛ إنها ذلك الصدى الهائل الذي يصدره جوف فارغ حين يضربه الهواء؛ صخب بلا أثر، وجلجلة بلا معنى… ؛ هي المرآة المقعرة التي يضعها القزم أمام وجهه فيرى فيها قامة طاغية، بينما يضحك الرائي من ورائه على قصر الظل الذي يفضح كل شيء .
هذا الداء العضال، المنتشر كالنمل في مواسم الجفاف، ليس إلا الوجه الآخر للهشاشة الداخلية… ؛ إنه ترياق وهمي يبتدعه من يستشعرون مرارة الصِغَر في أعماقهم، فيقومون بتعويض هذا الشتات النفسي بنحت تماثيل من دخان لأنفسهم… ؛ تراهم يتحدثون بلغة الأسياد وهم عبيد المقاعد الخلفية، يحركون شفاههم بالعلاقات والنفوذ وكأن مفاتيح الكون تدق في جيوبهم المثقوبة… ؛ إنهم “هررة” بطبعها، ولكن ضجيج “المواء” في نفوسهم أوهمهم أنهم أسود غابة، علماً أن الهر يظل هراً ولو زأر، والبزون لا يهش ولا يكش حتى لو لبس فرو النمر… ؛ إنها حالة “المعرف لا يعرف”، والغريب أنه الوحيد الذي لا يعرف نفسه، بينما يعرفه القاصي والداني على حقيقته العارية .
المظهر والنقص: ثنائية الجدل النفسي
يبدأ الخلل حين يعجز الفرد عن تقبّل ضعفه، فيتحوّل عجزه إلى عدوان على الواقع عبر التضخيم الكاذب… ؛ فالنفس الناقصة، كما يصفها التحليل النفسي، تهرع إلى آليات التعويض الوهمي: الكذب المتقن، الادعاء بالمناصب المزيفة، استعراض علاقات لا تملكها، والتحدث بلسان “الدولة العميقة” والعلاقات المهمة وهو لا يملك من الأمر شيئاً… ؛ هذا السلوك ليس حيلة طارئة، بل بنية مرضية متكاملة تغذّيها هشاشة الأنا وخوفها المدقع من العدم .
نعم , هذه الظاهرة، في جوهرها النفسي، قريبة من آليات التعويض… ؛ فالفرد الذي يشعر بنقصٍ ما—في الكفاءة أو الاعتراف أو المكانة—قد يلجأ إلى تضخيم ذاته لفظيًا وسلوكيًا… ؛ و يتحدث بثقةٍ زائدة، يوحي بقربه من دوائر نفوذ، ويُكثر من الإيحاءات بدل الوقائع… ؛ و هنا لا يكون الكذب مجرد سلوك عابر، بل يصبح بنية دفاعية؛ طريقةً لتسكين قلقٍ داخلي لا يهدأ.
تشير دراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن الأفراد ذوي التقدير الذاتي الهش يميلون إلى المبالغة في عرض إنجازاتهم، خصوصًا في البيئات التي تكافئ المظهر السريع أكثر من العمل المتراكم .
أما النرجسية، فهي الوجه الأكثر تنظيرًا لهذه الظاهرة… ؛ فالنرجسي لا يكتفي بإظهار ذاته، بل يحتاج إلى تصديق الآخرين لهذه الصورة… ؛ هو أسير مرآةٍ اجتماعية؛ إن لم تعكس له العظمة التي يتخيلها، سارع إلى تلميعها أو كسرها…!!
ومن المفارقة أن هذا السعي الدائم للإعجاب يكشف عن فراغٍ داخلي : فكلما ارتفع الصوت، دلّ على ضعف الأساس… ؛ و يصف بعض الباحثين هذا النمط بـ«النرجسية التعويضية»، حيث يُبنى الإحساس بالقيمة على اعترافٍ خارجي متقلب، لا على كفاءةٍ راسخة .
نعم ، تقف النفخة الكذابة على أرض نرجسية مهتزة، ولكنها نرجسية الضعيف لا نرجسية القوي … ؛ إنها ليست نرجسية العظمة الحقيقية القائمة على الإنجاز، بل نرجسية الجرح النازف… ؛ اذ يصفها “ألفرد أدلر” في سياق عقدة النقص بأنها “صرخة تعويض”، حيث يبني الفرد قصراً من الأوهام ليسكنه كي يهرب من كوخ ذاته الموحش… ؛ و هؤلاء ليسوا مقتنعين ببطولتهم المزعومة، إنهم مدمنون على تصديقها لأن التوقف عن التصديق يعني مواجهة هاوية “اللا شيء” التي يسكنونها… ؛ إنهم يشبهون الممثل الذي نسي أنه على خشبة المسرح، فظن الأضواء الخافتة شموساً، والورق المقوى جدراناً من رخام .

الجذر الاجتماعي: بيئة تكرّم الشكل على الجوهر
لا تنبت النرجسية والنفخة الكذابة في فراغ، بل في تربة اجتماعية تمنح القيمة للواجهة لا للمحتوى… ؛ حين يصبح “أن تبدو” أجدى من “أن تكون”، يتحول الادعاء إلى استراتيجية بقاء… ؛ في مجتمعات يضعف فيها النقد، وتتراجع آليات الرقابة الاجتماعية الحقيقية، يجد المدّعي أرضاً خصبة ينفخ فيها صورته كالبالون، لكن أي ريح تكشف هشاشته، لأن الحقيقة لا تُنسف، بل تُترك تنهار من ثقلها .
نعم ، تزدهر هذه السلوكيات في البيئات التي تخلط بين المكانة والضجيج، وبين التأثير الحقيقي والظهور الإعلامي , وبين الواقع واحلام اليقظة , وبين الحقيقة والتنمي والادعاء … ؛ حين تُكافأ الحكاية أكثر من الفعل، ويُقاس النجاح بعدد المتابعين لا بعمق الأثر … ؛ يصبح الادعاء استثمارًا مربحًا.
وهنا تتشكل «ثقافة الواجهة»: علاقاتٌ تُستعرض ولا تُختبر، إنجازاتٌ تُعلن قبل أن تكتمل، ولغةٌ تتضخم حتى تفقد معناها… ؛ و في مثل هذه البيئات، لا يُسأل الشخص عمّا أنجز بقدر ما يُسأل عن صورته وفيديوهاته ولقاءاته وعلاقاته واستعراضاته ، فتُستبدل الحقيقة بالانطباع .
إن انتشار هذه “النفخة” يتحول إلى وباء يصيب نسيج المجتمع بالغرغرينا الصامتة… ؛ إنها ظاهرة لوليدة متوقعة نتجت عن افرازات بيئة تخلط بين الهيلمان والهيبة، وتكافئ القشرة على حساب اللب… ؛ في مجتمع يقدس “الشو” الإعلامي و”البرستيج” المزيف … ؛ تتحول الحياة إلى كرنفال طويل من الأقنعة الثقيلة. ويصبح السؤال القاتل: ما جدوى أن تكون عميقاً إذا كان الجمهور مبهوراً بالفقاعات التي تطفو على سطح الماء الآسن؟!
هذه النفخة ليست مجرد كذبة فردية، بل هي استجابة ملتوية لنظام اجتماعي لا يمنح الاعتبار للرجل الهادئ الرصين، بل يمنحه لصاحب الصوت الأعلى وإن كان فارغاً، ولصاحب المعطف الأفخر وإن كان مستعاراً …!!

الفلسفة في المرآة: عندما يرى الهر نفسه أسداً
المرآة التي تظهر في لوحة وهي تعكس صورة الهر الذي يقف امامها لا كهر بل كأسد … ؛ فالمرآة في تلك اللوحة الشهيرة ليست أداة بصرية، بل مرآة الوعي المعطوب… ؛ حين ينظر الهر إلى نفسه فيراها أسداً، فالمشكلة ليست في حجمه، بل في انكسار عدسة إدراكه… ؛ هذا التشوه الإدراكي هو جوهر النرجسية: الفشل في اختبار الواقع، واستبداله بعالم خاص يحكم فيه الفرد على نفسه بالعظمة وهو لا يملك من أسبابها شيئاً… ؛ و الفارق بين الثقة الحقيقية والنفخة الكذابة هو أن الأولى تنتج فعلاً، والثانية تنتج ضجيجاً فقط .
فالفلسفة تعيد هذه الظاهرة إلى سؤال الهوية: هل نحن ما نكونه فعلًا أم ما نُظهره؟
إذا انفصلت الصورة عن الجوهر، صار الإنسان مشروع تمثيلٍ مستمر… ؛ غير أن التمثيل، مهما طال، يظل مرهقًا؛ لأنه يتطلب حراسة دائمة للقناع… ؛ ومع الزمن، يتآكل الحد الفاصل بين الحقيقي والمصطنع، فيفقد الفرد بوصلته الداخلية… ؛ و هنا لا يعود الخداع موجّهًا للآخرين فقط، بل يتحول إلى خداعٍ للذات …!!
وهنا تكمن الفلسفة المرة: نحن نعيش عصر انتصار العرض على الجوهر، عصر استبداد “البروفايل” على حساب “السيرة”… ؛ في الماضي، كان الرجال يعرفون بأفعالهم في سواد الليل قبل ضوء النهار، أما اليوم فقد حل “البيان الصحفي” محل الفعل، وحل “المنشور الفيسبوكي” محل التجربة… ؛ إن النفخة الكذابة هي خلاصة مأساة إنسان ما بعد الحداثة؛ إنسان ممزق بين ما هو كائن وما يود أن يُرى عليه… ؛ إنه يظن أن الآخرين أغبياء مثله، فيتوقع أنهم سيصدقون أن “الفأر يصعد جبل” لمجرد أنه قالها بصوت جهوري …!!
يمكن رصد هذه الظاهرة عبر مؤشرات واضحة: الإفراط في الحديث عن علاقات نافذة دون دلائل، تضخيم الأدوار في كل سياق، الحساسية المفرطة للنقد، والحاجة المستمرة للإعجاب الفوري… ؛ كما يظهر التناقض بين الخطاب والممارسة؛ كلمات كبيرة وأفعال محدودة… ؛ و هذه الفجوة هي العلامة الفارقة بين الصورة والحقيقة .
المعالجة لا تبدأ بالتشهير، بل بالفهم… ؛ على المستوى الفردي، يتطلب الأمر بناء تقديرٍ ذاتي قائم على مهارةٍ حقيقية وعملٍ متراكم، لا على تصفيقٍ عابر… ؛ وعلى المستوى الاجتماعي، تحتاج المؤسسات—التعليمية والمهنية والإعلامية—إلى إعادة الاعتبار للإنجاز الفعلي، وتقليل مكافأة الضجيج الفارغ… ؛ الشفافية، والتقييم القائم على النتائج، وإتاحة فرصٍ عادلة لإثبات الكفاءة، كلها تحدّ من ازدهار سوق الأقنعة .
في النهاية، لا يمكن للصورة أن تعيش طويلًا بلا جذور… ؛ و ما يُبنى على الادعاء ينهار عند أول اختبار، بينما ما يتأسس على العمل يصمد ولو بلا إعلان… ؛ و بين أن تبدو وأن تكون، مسافة يختارها كل فرد؛ لكنها، في المحصلة، ليست مسافة خارجية، بل امتحانٌ داخلي لمعنى الصدق مع النفس .
النفخة الكذابة ليست خطيئة أخلاقية فحسب، بل مأساة وجودية: شخص يحاول أن يكون ما ليس فيه، لينتهي إلى ألا يكون شيئاً على الإطلاق… ؛ و الشفاء ليس بالدعاء وحده، بل بمواجهة المرآة دون تكسيرها، وبأن يتعلم المريض أن الحجم الحقيقي ليس عاراً، وأن القناعة بالحقيقة خير من التمثيل في مسرحية لا أحد يصدقها .