عطر الجلنار

رياض سعد

تربط عائلة الحاج مزاحم بعائلة العم خضير علاقة جوار قديمة تمتد إلى أزقة محلات البصرة القديمة… ؛ كان أجداد العم خضير يسكنون في الدار الملاصقة لدار أجداد الحاج مزاحم، وحفرت المياه والطين والملح قصتهما قبل أن يحفرها التاريخ …
بعد نكسة حزيران عام ١٩٦٧، هاجرت العائلتان إلى بغداد واستقرتا في حي الشعب… ؛ وفي سبعينيات القرن المنصرم، تمايز المساران: انخرط مزاحم في صفوف الحزب الشيوعي، بينما ذاب خضير في جماعات الدعوة الإسلامية السرية …
كان الحاج مزاحم أصغر من العم خضير بثلاثة سنوات، لكن الزمن الجميل جعلهما معاً في مقاعد الدراسة الابتدائية… ؛ تعلق مزاحم بخضير تعلق النخلة بجذورها، فكان يرى فيه الأخ الأكبر الذي لم تنجبه أمه …
وفي إحدى ليالي عام ١٩٧٨، وتحت جنح الظلام، ألقى العم خضير محاضرة في منزل الحاج سلمان عن العدالة الاجتماعية في الإسلام… ؛ وكان مزاحم من بين الحاضرين الذين لا يتجاوزون سبعة رجال، خائفين مرتعدين من عيون الأمن التي كانت ترصد كل تحرك… ؛ تلك الليلة سمع مزاحم خضير يقول : العدل ليس شعاراً نرفعه، بل سكيناً نشهره في وجه الظالم… ؛ والله لا يُغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم… ؛ فالعدل أن تعطي الفقير حقه قبل أن يسأل، والحرية أن تقول كلمة الحق ولو بوجه الحاكم … ؛ وأي مجتمع لا يقوم على العدل فهو أشبه بجثة تُلف بالحرير، تفوح منها رائحة الموت الكريهة وإن تزينت بالحرير …
بعد المحاضرة، طوق مزاحم خضيراً واحتضنه بحرارة، وهمس في أذنه: «أنت أخي وأبي وأستاذي»… ؛ ابتسم خضير بوجهه الأسمر ومسح على رأس مزاحم كأنه طفل صغير .
ثم جاءت محنة عقد الثمانينيات الدموي الاسود … ؛ حيث اعتقلت السلطة الصدامية العم خضير بتهمة التدين والنشاط الديني ، وسُجن في سجن الامن العامة أربع سنوات كاملة… ؛ كان مزاحم يزور أم خضير كل جمعة، ويبكي معها بكاء الأطفال… ؛ وقد كتب قصيدة طويلة عنوانها «روحي تريدك » حفظها أبناء الحي جيلاً بعد جيل …
خرج خضير من السجن منهك الجسد، محطم الأسنان، لكن عينيه بقيتا تضيئان كالقنديل… ؛ و زاره مزاحم في بيته الصغير، ونظر إليه طويلاً ثم انفجر باكياً: «لولا الله ثم أنت لكنت فقدت عقلي»… ؛ ضحك خضير بمرارة: الظنون يا مزاحم أشد من اليقين … هون عليك ؛ هل صرت مؤمنا موحدا بسبب اعتقالي يا مزاحم ؟!
وفي عام ١٩٩١، حين انتفض العراقيون، كان خضير في الصفوف الأولى في ساحة أم الكروم ، بينما كان مزاحم يوزع المنشورات في ساحة سعد ؛ اذ ذهبا معا الى البصرة … ؛ سقط خضير شهيداً برصاص عناصر الحرس الجمهوري والقصف المدفعي … ؛ ولم يعثر على جثمانه إلا بعد ثلاثة أيام تحت الأنقاض … .
دفنه مزاحم بيديه، وكتب على قبره: هنا يرقد الإنسان الكامل … .
وبعد سقوط النظام الاجرامي عام 2003 ، عاد مزاحم إلى البصرة ، فوجد البيت القديم للعم خضير خالياً… ؛ وقف أمام بابه الخشبي ، وأخرج من جيبه قنينه عطر جلنار كان قد اشتراها من سوق الكويت … ؛ نثر العطر على عتبة الباب، وجلس يبكي حتى جفت دموعه …
بعد سنوات، حين زاره ابن أخيه من بغداد سالم ، أخرجه مزاحم من البيت ومشى به الى النجف الاشرف ؛ إلى قبر العم خضير… ؛ جلسا ساعة صامتة، ثم قال مزاحم :
تعلم يا بني … ؛ الرجال لا يموتون عندما تغادر أرواحهم الأجساد، بل عندما ننساهم… ؛ الشهيد العم خضير لم يمت، لأنه زرع في قلبي شجرة لن تذبل …
ونظر إلى السماء، وأكمل : ذات مرة سألت خضيراً: كيف تحب الله دون أن تراه؟ فضحك وقال لي: هل رأيت الريح؟!
قلت: لا…
فقال: فكيف تعرف أنها موجودة؟!
قلت: من حركة الأشجار…
قال: هكذا الله… انظر إلى قلبك كيف يتحرك حين تذكره ، تلك هي الريح الإلهية …
سكت مزاحم، ثم تنهد وقال : خضير كان الريح التي حركت غصون روحي… ؛ ومنذ رحيله، لم تعد الأشجار تتحرك … .
كانت قنينه عطر الجلنار لا تزال معه، رغم مرور السنين… ؛ فتحها وشم رائحتها، ثم أعطاها لابن أخيه : خذها… هذه رائحة البصرة القديمة، رائحة خضير، رائحة زمن كنا فيه إخوة قبل أن تكون الأديان والمذاهب سكاكين في ظهورنا …
سأله ابن أخيه: هل تظن أنك ستلقاه في الجنة؟
ابتسم مزاحم ابتسامة حزينة وقال :الجنة؟ يا بني…؛ الجنة أن تجلس مع من تحب ولو على قارعة طريق… ؛ خضير لم يذهب إلى الجنة، بل الجنة هي التي ذهبت معه .