كيف يمكن لإقليم كردستان العراق تفادي الانزلاق إلى صراع إقليمي؟

إيهاب مقبل

شهد شمال العراق تصعيدًا أمنيًا جديدًا بعد مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم امرأتان، في هجمات استهدفت مواقع للمعارضة الكردية الإيرانية يوم الجمعة 17 أبريل نيسان الجاري. وبحسب الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، فإن الضربات نُفذت بواسطة صواريخ وطائرات مسيّرة، واتُهمت إيران بالوقوف وراءها.

ووفق البيان، استهدفت الهجمات مخيمات مدنية في محافظة أربيل، ما أدى إلى مقتل مدني وإصابة آخرين، بينهم طفل. كما طالت ضربات أخرى مواقع لقوات البيشمركة التابعة للحزب، وأسفرت عن مقتل مقاتلتين وإصابة عدد من العناصر. وتأتي هذه التطورات رغم استمرار وقف إطلاق النار المعلن منذ 8 أبريل نيسان، بعد مواجهة استمرت نحو 40 يومًا وامتدت تداعياتها إلى الأراضي العراقية، بما فيها إقليم كردستان.

سياق متكرر ومخاطر متصاعدة
هذه الهجمات ليست الأولى من نوعها، إذ تعرضت مواقع المعارضة الكردية الإيرانية خلال السنوات الماضية لسلسلة من الضربات، وسط اتهامات إيرانية لتلك الجماعات باستخدام أراضي الإقليم لشن هجمات داخل إيران. ومع تكرار هذا النمط، يزداد القلق من احتمال انزلاق إقليم كردستان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

تصريحات المعارضة الإيرانية… عامل يزيد من تعقيد المشهد
إلى جانب هذه التحديات، تبرز تصريحات بعض فصائل المعارضة الكردية الإيرانية بشأن استعدادها لإسقاط النظام في إيران بدعم محتمل من واشنطن وتل أبيب. ورغم أن هذه التصريحات قد لا تعكس قدرة فعلية على التنفيذ، إلا أنها تُعد من منظور طهران تهديدًا مباشرًا، وقد تُستخدم لتبرير تكثيف الضربات داخل الأراضي العراقية.

هذا الواقع يفرض على الحزب الديمقراطي الكردستاني التعامل بحذر أكبر، ليس فقط أمنيًا، بل أيضًا عبر ضبط الخطاب السياسي للفصائل، وفرض قواعد تمنع انخراطها في أي نشاط عسكري موجه ضد دول الجوار.

دور القيادة الكردية في إدارة الأزمة
في هذا السياق، يبرز دور الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يُعد القوة السياسية والعسكرية الأبرز في الإقليم بقيادة مسعود برزاني، في إدارة هذا التحدي المعقد. ورغم محدودية السيطرة الكاملة على جميع الفصائل الموجودة في الإقليم، إلا أن هناك هامشًا من الإجراءات الواقعية التي يمكن أن تقلل من المخاطر بشكل ملموس.

فالإقليم بحاجة إلى تنظيم وضبط وجود الجماعات المسلحة المعارضة لإيران، خصوصًا في المناطق القريبة من الحدود، لأن استمرار هذا الوجود بشكل غير منضبط يمنح طهران مبررًا مباشرًا لتوجيه ضربات داخل الأراضي العراقية. وفي الوقت ذاته، يصبح تعزيز التنسيق مع الحكومة العراقية خطوة أساسية، إذ يساهم ذلك في تحويل الملف من عبء يقع على عاتق الإقليم الكردي وحده إلى قضية سيادية عراقية أوسع، ما يخفف الضغوط عن أربيل.

وبالتوازي، يبقى الحفاظ على قنوات تواصل، حتى وإن كانت غير معلنة، مع إيران أمرًا ضروريًا لاحتواء التوتر وتفادي الانزلاق إلى مواجهات أوسع. كما أن منع استخدام أراضي الإقليم كنقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية ضد إيران يُعد عاملًا حاسمًا، لأن مثل هذه الأنشطة تمثل الخط الأحمر الذي يدفع نحو التصعيد المباشر.

وفي السياق نفسه، يحتاج الإقليم إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاته الدولية، خصوصًا بين واشنطن وطهران، بحيث لا يظهر كطرف منحاز في صراع إقليمي معقد، وهو ما يمنحه مساحة أكبر للمناورة السياسية. ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز إجراءات الأمن الداخلي والدفاع المدني، خاصة في المناطق الحدودية، عبر تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتحصين المناطق المدنية.

خطوات عملية لتقليل المخاطر
على المستوى العملي، يمكن اتخاذ إجراءات ملموسة، من أبرزها نشر قوات حرس الحدود التابعة للحكومة العراقية على الشريط الحدودي مع إيران، بما يعزز سيادة الدولة ويقلل من مبررات التدخل الخارجي. كما يمكن إعادة تموضع الجماعات المسلحة بعيدًا عن الحدود، ووضعها تحت رقابة صارمة تمنع أي نشاط عسكري عبرها.

كذلك، يُعد إنشاء آليات تنسيق أمني مشتركة بين بغداد وأربيل خطوة مهمة لمراقبة الحدود وتبادل المعلومات، إلى جانب تطوير أنظمة مراقبة حديثة، وضبط المعابر غير الرسمية التي قد تُستخدم في نقل الأفراد أو السلاح. وعلى المستوى القانوني، ينبغي وضع إطار واضح ينظم وجود الفصائل الأجنبية داخل الإقليم، بما يضمن عدم تهديدها لدول الجوار، ولا سيما إيران وتركيا.

الأولوية: استقرار وازدهار كردستان العراق
وسط هذه التعقيدات، تبقى الأولوية الأساسية هي سلامة واستقرار وازدهار إقليم كردستان العراق. فالتورط، المباشر أو غير المباشر، في صراعات دول الجوار لا يجلب مكاسب حقيقية، بل يعرّض الإقليم لمخاطر أمنية متزايدة ويؤثر سلبًا على اقتصاده واستثماراته واستقراره الداخلي. كما أن أي تصعيد ينعكس فورًا على حياة المواطنين وثقة المستثمرين وحركة التجارة.

خلاصة: توازن دقيق لتجنب الانزلاق
في المحصلة، يقف إقليم كردستان العراق أمام معادلة دقيقة، فهو ليس طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنه يتأثر به بشكل متكرر. وبين ضغوط الجغرافيا وتعقيدات السياسة، يصبح التحدي الأساسي هو منع تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. والنجاح في ذلك لا يعني إنهاء التهديدات بالكامل، لكنه قد يكون كافيًا لتقليلها، عبر سياسة تقوم على التوازن، وضبط الأمن، وتحييد الإقليم عن صراعات أكبر من قدرته على التحمل.

انتهى