سعد جاسم الكعبي
الحديث عن إعادة الخدمة الإلزامية العسكرية “التجنيد الإجباري” يفتح جرحاً قديماً في الذاكرة العراقية ويذكر الاجيال باضاعة اعمار مئات الآلاف في مراكز وساحات التدريب وخنادق القتال في صور مؤلمة ومظلمة ، كما أنه يقسم الشارع بين مؤيد وأكثرهم من الاقليات يعتبرونها ضرورة وطنية، ومعارضون وهم من الاغلبية يعدوها باباً جديداً للفساد ونهب أموال الوطن والمواطن.
إن حجة المؤيدين يرون انها ضرورة وطنية وأمنية لبناء جيش احتياط قوي فانصار القانون يرون أن العراق محاط بتهديدات إقليمية وداخلية، والتجنيد الإلزامي يخلق قاعدة احتياط مدربة يمكن استدعاؤها وقت الأزمات، بدل الاعتماد على متطوعين فقط.
فصهر الهويات وبناء المواطنة يعدونه أداة لإذابة الانقسامات الطائفية والمناطقية. الشاب من البصرة يخدم مع ابن الأنبار ودهوك، فيعيشون نفس الظروف ويبنون “هوية عراقية” موحدة بعيداً عن كانتونات السياسة.
كما يعمل على ضبط الشباب وتأهيلهم مع نسب البطالة المرتفعة، البعض يحسب أن الخدمة العسكرية تمنح الشباب الانضباط والمهارات وتقلل وقت الفراغ الذي قد يستغله التطرف أو الجريمة.
اما حجة المعارضين فيرون فيها فساد مقنّع
وعودة لعسكرة المجتمع فخصوم القانون يرونه إعادة لأيام النظام السابق، حيث تحولت الدولة إلى ثكنة كبيرة.
العراق اليوم يحتاج مهندسين وأطباء ومبرمجين، لا مزيد من البنادق وعسكرة المجتمع تعني تغليب منطق القوة على منطق الإنتاج.
بوابة الفساد الجديدة وهي “البدل النقدي”وهذه أخطر نقطة في القانون المطروح يتضمن فقرة “البدل النقدي” لمن لا يريد الخدمة، المعارضون يقولون إنها ستتحول إلى وسيلة لابتزاز المواطن ونهب جيبه. ستكون هناك تسعيرة للغني والفقير، ومحسوبية، وتقارير طبية مزورة لمن يدفع عملياً الخدمة للفقراء، والإعفاء للأغنياء.
كما أن الكلفة الاقتصادية من تدريب وإيواء وتسليح مئات آلاف المجندين سنوياً يكلف الموازنة المنهكة أصلاً، في بلد يعاني من نقص الغاز والبنزين وغلاء الأسعار، هل الأولوية دفع رواتب مجندين أم تحسين الخدمات؟
الاجهزة الأمنية الحالية متخمة فالعراق يمتلك جيشاً وشرطة اتحادية وحشداً شعبياً وأجهزة أمنية. العدد ليس المشكلة، بل التدريب والتسليح والولاء الوطني إضافة أعداد جديدة دون عقيدة موحدة قد يفاقم الانقسام. بين الضرورة التشكيك.
الخدمة الإلزامية سلاح ذو حدين يمكن أن تكون مشروعاً وطنياً لبناء الانضباط والوحدة إذا طُبقت بعدالة وشفافية ودون استثناءات،لكن في ظل الفساد الإداري وانعدام الثقة بمؤسسات الدولة، يخشى كثيرون أن تتحول إلى “ضريبة على الفقراء” ووسيلة لإثراء شبكات الفساد عبر البدل النقدي والإعفاءات.
النجاح مرهون بسؤال واحد: هل تملك الدولة إرادة لتطبيقها على ابن المسؤول قبل ابن الفقير؟ إن كان الجواب لا، فهي عسكرة ونهب. وإن كان نعم، فقد تكون فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي.
فهل تفيد إعادة الخدمة الإلزامية العراق لبناء الجيش؟ أم تذكره بمآسي نظام صدام الدموي؟
التساؤل يضرب وتر حساس عند العراقيين. الجواب يعتمد على “كيف” تُطبق، وليس “هل” تُطبق فقط.
السؤال الان متى يفيد العراق لبناء الجيش؟
إذا كانت لبناء جيش وطني مهني فيكون بشرط أن يكون الولاء للدولة لا للحزب أو الطائفة. تدريب حقيقي، عقيدة عسكرية موحدة، وقيادة نزيهة، هنا تخلق احتياط مدرب وتذيب الفوارق بين ابن الجنوب والغربية والشمال.
إذا عالجت البطالة بشكل منصف وكانت الخدمة براتب محترم ودورات مهنية بعدها قد تكون أفضل من جلوس الشباب على المقاهي. بعض الدول مثل مصر وتركيا تستخدمها كـ “مدرسة قومية” تأهيلية.
اما إذا أغلقت أبواب الاستثناء، لا بدل نقد، لا واسطات، لا تقارير طبية مضروبة. ابن الوزير يخدم بجانب ابن الفقير، بدون هذا الشرط تتحول إلى ظلم طبقي تكون على ناس وناس .
فإذا كانت عسكرة بلا هدف كما أيام صدام يتحول الجيش إلى أداة قمع وحروب عبثية. الشاب يقضي سنوات من عمره بحرب إيران ثم الكويت ثم الحصار. إذا عادت الخدمة بنفس العقلية، فهي كارثة.
واذا صارت وسيلة لنهب اموال “البدل النقدي” فهو أخطر ما في القانون المطروح. سيتحول إلى باب رشوة وفساد. الغني يشتري إعفاءه، والفقير يُساق للخدمة لهذه طبقات مكررة من زمن النظام السابق.
واذا الخدمة الإلزامية بذاتها ليست حسنة ولا سيئة هي أداة، ولكن مع دولة مؤسسات نزيهة تساوي بناء جيش وترسيخ مواطنة ومع دولة أحزاب ومحاصصة تساوي تذكير بمآسي صدام وبوابة فساد جديدة لنهب جيوب الناس عبر البدل والواسطات.
العراق اليوم لا ينقصه رجال، ينقصه النزاهة والثقة إذا ضمنت الحكومة تطبيق القانون على الجميع وبدون بدل نقدي، قد تنجح إذا تركتها للأحزاب ولجانها، فستكون نكبة جديدة تضاف لأزمات الغاز والبنزين وغلاء الأسعار.
إن مبررات البرلمان لتشريع الخدمة الإلزامية
البرلمان العراقي طرح قانون “خدمة العلم” عدة مرات، وآخرها مشروع 2023-2024 هذه . المبررات الرسمية التي يسوقها النواب المؤيدون هي
إن سد النقص البشري في الجيش بعد حرب داعش، يعتمد الجيش على التطوع فقط. البرلمان يقول إن هذا لا يكفي لبناء “جيش احتياط” جاهز، خاصة مع التوترات الإقليمية والتهديدات التركية والإسرائيلية الأمريكية.
ومعالجة البطالة و”تربية الشباب” يطرحونها كحل لملف البطالة.
الشاب يأخذ راتب خلال الخدمة، ويتعلم الانضباط والمهنة. يعتبرونها بديل عن التعيينات الحكومية المتضخمة أصلاً.
فترسيخ الهوية الوطنية كما يقولون إن الخدمة تذيب الطائفية، الكردي والسني والشيعي والتركماني يخدمون معاً، فيتكون ولاء للعراق قبل الطائفة .
بعض النواب يوكدون أن وجود جيش كبير قائم على التجنيد الإلزامي يقلل الحاجة للفصائل المسلحة، ويعيد احتكار السلاح للدولة.
مبدأ دستوري يستندون للمادة 9 من الدستور: “خدمة العلم شرف للعراقيين وينظمها قانون”.
اما الجزء غير المعلن فهو البدل النقدي
مشروع القانون يتضمن “البدل النقدي” من 3 إلى 20 مليون دينار حسب الشهادة، لمن لا يرغب بالخدمة. المعارضون يقولون هذه هي الغاية الحقيقية: جباية مليارات من جيوب المواطنين.
هل ينجح بظل أحزاب وكوادر فاسدة؟
الجواب الواقعي: صعب جداً، وغالباً سيفشل أو يتحول الكارثة، فالمواطن لا يثق أن ابن المسؤول والنائب سيخدم فعلياً الذاكرة الجمعية تقول: زمن صدام أبناء الفقراء للجبهة، وأبناء النظام للخارج. إذا تكرر هذا، القانون يسقط شعبياً قبل أن يبدأ.
البدل النقدي والتقارير الطبية و الاستثناءات تعني سوق سوداء ضخمة، اللجان الطبية وضباط التجنيد سيصبحون مليونيرية خلال سنة. الخدمة ستكون للفقير فقط، وهذا ينسف كل هدف وطني للقانون.
العراق يعاني عجز موازنة، ويستورد غاز وبنزين،تدريب وإيواء 200-300 ألف مجند سنوياً يحتاج مليارات. من أين؟ إما استقطاع رواتب أو زيادة ضرائب، والناس لن تتحمل.
رفض شعبي واسع فالشارع، خاصة المدنيين ومعظم الاغلبية والكرد، فهو “عسكرة” و”نسخة صدامية”،حتى داخل البيت السياسي الشيعي هناك رفض لأن الشباب يريدون وظائف وتعيينات لا ثكنات.
الضمان أن يخدم ابن رئيس الحزب قبل ابن الفقير وهو امر لن يحدث .
إن إعادة الخدمة الإلزامية ستكون تذكير بمآسي صدام و باب فساد جديد، وليست بناء جيش.
بالضبط، هذا هو التناقض اللي يخلي الناس تسخر من القانون.وفي زمن التكنولوجيا والمسيرات والصواريخ فرط صوتية، نعود لليس يم؟
هذه أقوى حجة ضد الخدمة الإلزامية اليوم
فطبيعة الحروب تغيرت الحرب الحديثة ما عادت “عدد مشاة”. صارت مسيرات درون واحد بـ 20 ألف دولار يدمر دبابة بـ 5 مليون.
“هكر” يطفىء كهرباء دولة كاملة وهو جالس بغرفتها و صواريخ فرط صوتية تضرب هدفها قبل ما الرادار يستوعب وذكاء اصطناعي يحلل ويقرر ويوجه النار بدقة 99%، ويعني تحتاج 1000 مبرمج ومهندس طيران واختصاصي حرب إلكترونية، وليس 100 ألف مجند يتعلم “يس يم” واستعد استرح.
إن “اليس يم” لا يبني جيش حديث التجنيد الإلزامي بالصيغة القديمة ينتج مشاة. لكن معارك اليوم تربحها التكنولوجيا.
فأمريكا لم تنهزم بالعراق من قلة المشاة، وإسرائيل لن تردعها المسيرات بكثرة الجنود. القصة صارت نوعية، مو كمية.
علينا أن لاندفع مليارات حتى تدرب شباب على تفكيك كلاشنكوف عمره 50 سنة، بينما العدو يطور سلاح ليزر ودرون انتحاري؟
إن هدر للطاقة البشريةالبلد محتاج المبرمج والمهندس والطبيب وعالم البيانات. إذا أخذت خريج هندسة حاسبات سنة ونص يعلم “يسار يم”، خسرت سنة ونص من عمره الإنتاجي وخسر البلد عقله.
الجيش الحديث يحتاج عقول، مو أعداد كتيبة حرب إلكترونية بـ 50 شخص ممكن تكون أهم من فرقة مشاة بـ 10 آلاف.
انها لمفارقة زمنيةإعادة الخدمة الإلزامية بصيغة “الثكنة والتدريب البدني” بزمن الدرون والصاروخ فرط صوتي، مثل اللي يشتري حصان بزمن سيارات تسلا.
إذا البرلمان يريد جيش قوي فعلاً عليه ان يؤسس كليات حرب سيبرانية، يستقطب خريجي الذكاء الاصطناعي، يشتري منظومات دفاع جوي حديثة.
أما “يس يم” والبدل نقدي سيكون مشروع عسكرة فاشل وجباية جديدة، ما له علاقة بقوة الجيش الحديث.