اسعد عبدالله عبدعلي
ما زالت غصّة تلك السنين العجاف تخنق حناجر الأجيال التي عاصرت سطوة التجنيد الإلزامي في حقبة النظام البائد، حيث لم يكن “الخدمة العسكرية” آنذاك مجرد واجب وطني، بل كان سوطاً مسلطاً بيد السلطة لضرب أحلام الشباب, وتفتيت تطلعاتهم على صخرة الحروب العبثية، إذ رحلت أجمل سنيّ العمر هباءً بين جدران المعسكرات الموحشة وظلمة الخنادق، فكان زوال ذلك القيد مع سقوط النظام أكبر فرحة غمرت قلوب العراقيين الذين ظنوا أنهم ودعوا “السخرة” إلى الأبد.
ومن الغريب والمثير للريبة اليوم، أن نرى بعض الساسة يلوحون بإعادة هذا الكابوس، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى العودة إلى مربع “العسكرة” القسرية في زمنٍ يتطلع فيه الشباب إلى الرقمنة والبناء لا إلى استلام “دفاتر الخدمة” من جديد.
إن مقترح التجنيد الإلزامي الذي يعود اليوم إلى الواجهة تحت ذريعة معالجة “شيخوخة” المؤسسة العسكرية ودمج الطاقات الشابة، يصطدم بجدار صلب من العقبات اللوجستية والمالية التي تجعل من تنفيذه في الوقت الراهن ضرباً من المستحيل.
· مأزق الرواتب والعسر الحكومي
العراق الذي يصارع لضمان انسيابية رواتب الموظفين والمتقاعدين، يجد نفسه أمام مأزق مالي خانق؛ إذ يتطلب إحياء هذا القانون ميزانيات فلكية تغطي رواتب مئات الآلاف من المجندين الجدد، فضلاً عن تكاليف الإطعام والكسوة والطبابة وتجهيز معسكرات تدريبية حديثة تليق بكرامة الإنسان، وهو ما تفتقر إليه الموازنات المثقلة بالديون والعجز.
إن هذه المحاولة لـ “عسكرة المجتمع” تحت ضغط البطالة، ليست سوى هروب إلى الأمام من استحقاقات النهوض بالقطاع الخاص وتوفير فرص عمل حقيقية، مما يهدد بتحويل الشباب من قوة منتجة تطمح لبناء مستقبلها المهني إلى مجرد أرقام في قطاع استهلاكي يرهق كاهل الدولة ويزيد من وتيرة الهجرة والكبت النفسي والاجتماعي، ليبقى هذا المشروع حبراً على ورق يتنازعه الطموح السياسي الضيق والواقع الاقتصادي المتردي.
· هل تمتلك الدولة الميزانية الكافية؟
تؤكد التقارير الاقتصادية لعام 2026 أن العراق يمر بضغوط مالية كبيرة، حيث تواجه الحكومة صعوبات دورية في تأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين (التي تتجاوز 70 تريليون دينار سنوياً).
ان تطبيق قانون التجنيد الاجباري يتطلب صرف رواتب شهرية للمجندين (تتراوح حسب المسودات بين 600 إلى 700 ألف دينار)، بالإضافة إلى تكاليف التغذية، الكسوة، والطبابة.
مع ضرورة فتح مئات مراكز التجنيد وعشرات المعسكرات التدريبية, والتي تتطلب ميزانية استثمارية هائلة لبناء البنى التحتية وتأمين الأسلحة والعتاد التدريبي، وهو ما لا توفره الموازنات الحالية المثقلة بالعجز.
الاخطر بالموضوع ان القانون يتضمن خيار “البدل النقدي” لمن لا يرغب بالخدمة، وهو مؤشر على أن الحكومة قد تنظر للقانون كـ مورد مالي لسد عجز الموازنة أكثر منه حاجة أمنية فعلية.. أي الهدف سحق العوائل بدفع البدل النقدي للاخلاص من السجن.
· السلبيات المتوقعة (الاقتصادية، الاجتماعية، النفسية)
تتسع رقعة التحذيرات الاقتصادية لتكشف عن مخاوف عميقة من ظاهرة “عسكرة المجتمع”، حيث يرى الخبراء أن اقتياد آلاف الشباب من ميادين العمل المنتج وسوق الطموح الحر إلى رتابة القطاع الاستهلاكي في المؤسسة العسكرية، سيؤدي بالضرورة إلى استنزاف الطاقات البشرية وتعطيل عجلة التنمية في القطاع الخاص، مما يمنح الدولة هيمنة مطلقة على مفاصل الاقتصاد, ويحول الشباب من قوى فاعلة تبني وتنتج إلى عبء إضافي, يثقل كاهل الموازنة العامة بالرواتب والنفقات دون مردود تنموي ملموس.
ولا تتوقف ارتدادات هذا القانون عند لغة الأرقام، بل تمتد لتضرب الجذور الاجتماعية، حيث يلوح في الأفق خطر تحول التجنيد إلى أداة تشرخ جدار الوحدة الوطنية وتعمق الانقسامات المجتمعية، خاصة إذا ما تسللت المحسوبيات الحزبية والولاءات العشائرية إلى مراكز التوزيع والمهام، مما يولد شعوراً بالظلم لدى فئات معينة تجد نفسها مستهدفة بالخدمة الشاقة، بينما يتمتع الآخرون بامتيازات القرب من دوائر النفوذ، وهو ما يحول الواجب الوطني في نظر الكثيرين إلى ضريبة يدفعها من لا سند له.
وفي الزوايا النفسية المظلمة، يولد هذا القانون شعوراً حاداً بالاغتراب داخل الوطن؛ فبدلاً من أن يحتضن النظام تطلعات الشباب في بناء مستقبل مهني مستقر، يجد الشاب نفسه مكبلاً بسنوات من الخدمة القسرية التي تقطع حبال أحلامه وتؤخر انطلاقته في الحياة، وهذا الضغط النفسي المتراكم والشعور بضياع العمر قد يتحول إلى محرك رئيسي يدفع الكفاءات والعقول الشابة للبحث عن مخرج آمن خلف الحدود، لتكون الهجرة هي الملاذ الوحيد للهروب من قيد التجنيد، مما يفرغ البلاد من أعظم ثرواتها البشرية في وقت هي أحوج ما تكون فيه للبناء والإعمار.
· اخيرا:
يخلصُ المشهدُ اليوم إلى أنَّ إحياءَ “قيد التجنيد” في الذاكرة العراقية, ليس سوى محاولةٍ لبعثِ كابوسٍ قديمٍ أكلَ من أعمارِ الأجيالِ حتى ارتوى، ليعودَ اليومَ متخفياً وراءَ ذرائعَ تنظيميةٍ تصطدمُ بصخرةِ الواقعِ المالي المتردي؛ فالدولةُ التي تُصارعُ لتأمينِ رغيفِ الموظفِ لن تقوى على تحمّلِ فاتورةِ جيوشٍ جديدةٍ من المجندين، لتتحولَ الفكرةُ من واجبٍ وطني إلى عبءٍ اقتصادي يستنزفُ طاقاتِ الشبابِ ويُعطلُ عجلةَ الإنتاجِ الخاص.
وإنَّ في طياتِ هذا القانونِ خطراً يهددُ السلمَ الاجتماعي، إذ يفتحُ أبوابَ المحسوبيةِ والظلمِ بين من يملكُ “البدلَ النقدي” أو النفوذَ ومن لا يملكُ سوى سواعدِه، مما يولدُ شعوراً مريراً بالاغترابِ يغتالُ الأحلامَ ويدفعُ بالعقولِ والكفاءاتِ نحو دروبِ الهجرةِ القسرية، ليظلَّ مشروعُ التجنيدِ في محصلتِه النهائية حبراً على ورقٍ يُحاولُ الهروبَ من استحقاقاتِ البناءِ الحقيقي نحو عسكرةٍ استهلاكيةٍ تزيدُ من أوجاعِ الوطنِ بدلاً من مداواتِها.