د. فاضل حسن شريف
من أبرز الأمثلة على كلمتين مشتقتين متتاليتين (جناس اشتقاقي) في القرآن الكريم قوله تعالى: “لِيُحِقَّ الْحَقَّ” (يونس 82)، حيث كلاهما مشتق من الجذر (ح ق ق). ومن الأمثلة الأخرى: “فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ” (الواقعة 89). أمثلة أخرى لكلمتين مشتقتين متتاليتين: “الحق أحق” (يونس 35). “أقم القيم” (الروم 43). “وجهت وجهي” (الأنعام 79). ملاحظة: تختلف الكلمات المشتقة عن “الكلمات المتشابهة المكررة” مثل (دكاً دكاً) أو (صفاً صفاً) التي ذكرت.
عن تفسير الميسر: قوله تعالى “سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا” ﴿النساء 91﴾ أن حرف مصدري، يَأْمَنُوكُمْ: يَأْمَنُ فعل، و ضمير، كُمْ ضمير، وَيَأْمَنُوا: وَ حرف عطف، يَأْمَنُ فعل، وا ضمير، قَوْمَهُمْ: قَوْمَ اسم، هُمْ ضمير. ثقفتموهم اي وجدتموهم. ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يودون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم، فيظهرون لكم الإيمان، ويودون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين، فيظهرون لهم الكفر، كلما أعيدوا إلى موطن الكفر والكافرين، وقعوا في أسوأ حال. فهؤلاء إن لم ينصرفوا عنكم، ويقدموا إليكم الاستسلام التام، ويمنعوا أنفسهم عن قتالكم فخذوهم بقوة واقتلوهم أينما كانوا، وأولئك الذين بلغوا في هذا المسلك السيِّئ حدّاً يميزهم عمَّن عداهم، فهم الذين جعلنا لكم الحجة البينة على قتلهم وأسرهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ” فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ” وَأُولَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا” (النساء 91) “ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم” بإظهار الإيمان عندكم “ويأمنوا قومهم” بالكفر إذا رجعوا إليهم وهم أسد وغطفان “كلما رُدُّوا إلى الفتنة” دعوا إلى الشرك “أركسوا فيها” وقعوا أشد وقوع “فإن لم يعتزلوكم” بترك قتالكم “و” لم “يلقوا إليكم السَّلم و” لم “يكفوا أيديهم” عنكم “فخذوهم” بالأسر “واقتلوهم حيث ثقفتموهم” وجدتموهم “وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا” برهانا بينا ظاهرً على قتلهم وسبيهم لغدرهم.
وردت كلمة أمن ومشتقاتها في القرآن الكريم: يُؤْمِنُونَ آمَنَّا بِمُؤْمِنِينَ آمَنُوا آمَنَ أَنُؤْمِنُ وَآمِنُوا نُؤْمِنَ يُؤْمِنُوا أَفَتُؤْمِنُونَ مُؤْمِنِينَ إِيمَانُكُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَأَمْنًا آمَنتُم وَلْيُؤْمِنُوا أَمِنتُمْ يُؤْمِنَّ مُؤْمِنَةٌ مُؤْمِنٌ الْمُؤْمِنِينَ وَيُؤْمِن تُؤْمِن أَمِنَ اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَالْمُؤْمِنُونَ الْمُؤْمِنُونَ تُؤْمِنُوا تَأْمَنْهُ لَتُؤْمِنُنَّ إِيمَانِهِمْ وَتُؤْمِنُونَ أَمَنَةً لِلْإِيمَانِ إِيمَانًا فَآمِنُوا فَآمَنَّا الْمُؤْمِنَاتِ بِإِيمَانِكُم الْأَمَانَاتِ تُؤْمِنُونَ الْأَمْنِ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا لِمُؤْمِنٍ مُؤْمِنًا وَآمَنتُمْ لَيُؤْمِنَنَّ. جاء في معاني القرآن الكريم: أمن أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى: “وتخونوا أماناتكم” (الأنفال 27)، أي: ما ائتمنتم عليه، وقوله: “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض” (الأحزاب 27) قيل: هي كلمة التوحيد، وقيل: العدالة (راجع الأقوال في هذه الآية في الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 6/669)، وقيل: حروف التهجي، وقيل: العقل، وهو صحيح فإن العقل هو الذي بحصوله يتحصل معرفة التوحيد، وتجري العدالة وتعلم حروف التهجي، بل بحصوله تعلم كل ما في طوق البشر تعلمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضل على كثير ممن خلقه.
هنالك مئات الآيات التي فيها كلمتين أو أكثر مشتقة من جذر واحد ومن هذه الآيات ما تحوي على كلمتين مشتقتين متتاليتين أو أكثر مثلا “فإلهكم إله واحد)، (حمل حملها)، (بعضهم ببعض)، (ليدخلنهم مدخلا)، (وحجرا محجورا)، (ونزلناه تنزيلا)، (وكبره تكبيرا)، (اهتدوا هدا)، (تؤزهم أزا)، (وعدهم عدا)، (الحق أحق)، (وجهت وجهي)، (ويبطل الباطل)، (الطالب والمطلوب). في هذه السلسلة سيتم التطرق في كل حلقة على آية قرآنية تحوي على كل كلمتين مشتقتين متتاليتين لتفسيرها واعرابها والتركيز على الكلمتين المشتقتين مع أهمية الاشتقاق.
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا” ﴿النساء 91﴾ قوله تعالى: ” سَتَجِدُونَ آخَرِينَ “، إخبار بأنه سيواجهكم قوم آخرون ربما شابهوا الطائفة الثانية من الطائفتين المستثناتين حيث إنهم يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم غير أن الله سبحانه يخبر أنهم منافقون غير مأمونين في مواعدتهم وموادعتهم، ولذا بدل الشرطين المثبتين في حق غيرهم أعني قوله “فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ” بالشرط المنفي أعني قوله “فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ” (إلخ) وهذا في معنى تنبيه المؤمنين على أن يكونوا على حذر منهم ومعنى الآية ظاهر.