طالب السنجري
النجف بأزقتها الضيقة ،وبحياتها البسيطة ، وبفقرها المدقع ، وبجوعها المتوارث هي القلب الكبير الذي يستوعب الدنيا ، وقد إختصرت الطريق ببساطة دنياها الى سعة الآخرة ، وأغنت الضمائر ، والباحات ، والقلوب ، وأشبعت العقول على مرّ التأريخ .
تجدُ إبناً لها يمشي في شوارعها فلا يلفت نظرك إلاّ دشداشته المتهرئة ، ونعاله الإسفنج الممسوح ، وشعور رأسه ، ولحيته المتناثرة .
وقد يسوقك القدر فيجمعكما مجلس فلسوف تجده مجموعة أبحر متلاطمة .
بحره الفلسفي ، وبحره الفقهي ، وبحره الإصولي ، وبحره اللّغوي ، وبحر ثقافته العامّة .
تعرفتُ عليه في مدرسة الاُزري بخان المخضّر في النجف في أواسط سبعينات القرن الماضي .
وكانت المدرسة تضمُّ خيرة المثقفين من طلبة العلوم الدينية كالشيح معن والسيد كمال الحيدري وآخرين ، ولأنّنا في مدرسة واحدة فلقاءاتنا تكاد تكون يومية .
وكنّا نتشاطر الخبز مع الشيخ معن ، والفواكه إن حصلت ، واليه قبلي ينزلُ القِدر .
يحدّثني عن صداقته العميقة مع السيّد السيستاني حفظه الله وكان يقول عنه أنًه قد قرأ رأس المال لكارل ماركس أربع مرّات .
ودرستُ أنا على يدي الشيخ معن ( علم النفس ) وهو علم غير معهود في الحوزة ، وليس داخلاً في مناهجها وإن كان مهمّاً .
وكان الدرس الأوّل هو مناقشة الآية الكريمة : ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظنّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين ).
فانفتحت من خلال هذا العلم على عوالم في القرآن ، وأخذت أقرؤه قراءة اُخرى .
وطلب منّي ذات مرّة خمسة من طلاّب كليّة الفقه أن أدرسهم كتاب ( شرائع الاسلام ) وكان هذا الكتاب الفقهي مقرّراً في كليّة الفقه كما هو مقرّر في الحوزة .
وباشرت بتدريسهم في غرفتي بمدرسة الازري .
ولمّا أنهيت الدرس وخرج الإخوة جاءني الشيخ معن وقال أنا أصبحت مطمئناً عليك فلغتك بالتدريس جيدة جدّاً ، وفهمك للمادة رائع .
فقلتُ له وكيف عرفت ؟
قال أنا كنت منبطحاً بجنب شبّاك الغرفة أسترقُّ السمع ، فضحكتُ ، وفرحتُ .
وفي صيف النجف اللاّهب ربّما نعالجه بصلاحية لبن ، أو برقّية نودعها بسرداب السن لأجل تبرديها .
وأحرص أن لا أتناول ذلك لوحدي ، فلذيذ العيش أن نشتركا .
وطرقتُ عليه الباب ذات مرّة ، فقلت له تفضّل عندي .
فقال : شررتُ دشداشتي على الحبل فاذا نشفت فسوف آتيك .
لأنّ شيخ معن لايملك إلاّ دشداشة واحدة ، بيد أنّ أباه من تجار الكوفة ، وأهله من أهل النعمة ، ولكنّه إتخذ طريق الزهد ، والتصوّف .
عالمٌ ملئ ، ومجتهدٌ نحرير ، وفيلسوف .
ولم أره يوماً إعتمر العمامة على رأسه .
ولكنّي رأيتُ له صورة على الفيس بوك معمّماً .
رحمه الله تعالى.
طالب السنجري