من المؤسسة إلى الدكاكين (( تحولات القطاع العام في ظل المحاصصة السياسية))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
٢٨ آذار ٢٠٢٦م

​حين نُفتش في الذاكرة السياسية والإدارية للدولة نجد أن المؤسسة كانت تمثل في أصلها فلسفة الانضباط والحياد، والاستمرارية التي تتجاوز أعمار الحكومات والأشخاص إلا أن المشهد العراقي المعاصر وبفعل هزات التحول البنيوي بعد عام 2003، أنتج مساراً انحدارياً غيّر ملامح هذه الفلسفة ليحول الهياكل الحكومية من قلاع لخدمة الصالح العام إلى ما يشبه (الدكاكين) الحزبية الضيقة.
إن هذا التحول لم يكن محض صدفة أو نتيجة عفوية لنقص الخبرات بل كان نتاجاً لتزاوج غير شرعي بين مفهوم (الدولة) ومفهوم (الغانم) التي تفرضها المحاصصة السياسية كقدر لا فكاك منه.
​لقد دخلت الدولة العراقية في نفق مظلم حين استبدلت معايير الكفاءة والمهنية بـ (الولاءات الفرعية) فأصبح المنصب الإداري حصة رقمية في معادلة التوازنات السياسية.
هنا، فقدت المؤسسة صبغتها الوطنية وبدأت ملامح (الدكان) تظهر بوضوح حيث لكل مؤسسة صاحب (حزب)، ومريدون (موظفون بالولاء)، وزبائن (جمهور السلطة)، أما المواطن الذي لا ينتمي لهذا الفضاء، فيجد نفسه غريباً على أبواب مؤسسات دولته وكأنه يطلب حسنة لا حقاً دستورياً.
هذا الترهل الإداري ليس عجزاً تقنياً بقدر ما هو تعطيل متعمد لآليات المحاسبة فعندما تتحول الوزارة إلى إقطاعية سياسية تصبح الميزانيات وقوداً لتمويل الماكنات الحزبية وتتحول العقود والمشاريع إلى صفقات تُدار خلف الكواليس بأسلوب المقايضة مما أدى بالضرورة إلى إفراغ المؤسسات من محتواها الخدمي وتحويلها إلى مجرد هياكل تستهلك الموارد دون إنتاج حقيقي.
​إن انعكاسات هذا التحول (الدكان) لم تتوقف عند حدود الترهل البيروقراطي بل امتدت لتحدث زلزالاً في بنية المجتمع العراقي فأولى النتائج الكارثية كانت تآكل (الثقة) حيث تولدت فجوة هائلة بين المواطن والدولة، وشعر الفرد بالاغتراب داخل وطنه حين أيقن أن المؤسسة لا تخدمه إلا إذا كان (مسنوداً) أو منتمياً.
هذا الشعور دفع المجتمع نحو الاحتماء بالهويات الفرعية كبديل للحماية المفقودة من الدولة، مما أضعف عقد المواطنة وأشعل التوترات الاجتماعية. كما أدى غياب (التخطيط الاستراتيجي) لصالح (الربح الحزبي الآني) إلى شلل كامل في التنمية؛ فضاعت مئات المليارات على مشاريع وهمية، وانهارت البنى التحتية، وتحول العراق إلى سوق استهلاكية تعتمد كلياً على الاستيراد، مما قتل روح المبادرة الاقتصادية وعطل دورة الحياة الوطنية.
​وعلى صعيد رأس المال البشري، أنتجت هذه الظاهرة نزيفاً حاداً في العقول (الهجرة)؛ فعندما تصبح المحاصصة هي المعيار الوحيد للارتقاء، يجد المبدعون والكفاءات أنفسهم مهمشين، مما يدفعهم للرحيل وترك المؤسسات لقمة سائغة لشخوص يفتقرون للرؤية والمهارة.
هذا الإقصاء الممنهج لم يدمر الإدارة فحسب، بل عمق الفوارق الطبقية والظلم الاجتماعي، وكرس الفساد كـ (عرف اجتماعي) مقبول قسراً نتيجة غياب العدالة في توزيع الفرص. وبمرور الوقت، انهارت المنظومة الأخلاقية للعمل فالموظف الذي يرى المحاصصة تعلو فوق القانون يفقد الحافز للإبداع، وتنتشر ثقافة التكاسل والبطالة المقنعة، مما حول جسد الدولة إلى هيكل مترهل ينوء بأحماله دون أن يخطو خطوة واحدة نحو المستقبل.
​إن القراءة النقدية لهذا الواقع تكشف عن أزمة وجودية عميقة؛ فالإدارة في العراق اليوم لا تُدير أزمات، بل تعيد إنتاجها بصور مختلفة، والنجاح فيها بات يُقاس بمقدار ما يجنيه (الدكان الحزبي) من مكاسب.
إن الانتقال نحو استعادة المؤسسة يتطلب ثورة في المفاهيم تتجاوز تغيير الوجوه إلى تغيير البُنى؛ إنها معركة استعادة الهوية الوطنية للوظيفة العامة، وتحرير الإدارة من قيد الارتهان السياسي. وبدون فك هذا الارتباط الوثيق، سيبقى الواقع العراقي يدور في حلقة مفرغة، وتضيع فيها حقوق المواطنة بين ركام الفوضى المنظمة وعبثية الإدارة المرتجلة التي تبيع الأوهام في دكاكين السياسة.