بين الاستهداف المبكر واختبار الكفاءة: هل يُمنح علي الزيدي فرصة عادلة؟

حسن درباش العامري

منذ اللحظة الأولى لأي تغيير في هرم السلطة داخل العراق، تبدأ معركة غير معلنة… معركة لا تُخاض داخل قبة البرلمان فقط، بل في الفضاء الإعلامي، وفي دهاليز المصالح، وبين شبكات النفوذ التي تتقاطع عند نقطة واحدة: من يحكم… وكيف يُحكم؟

اليوم، ومع صعود اسم علي الزيدي كرئيس وزراء منتخب، يبدو أننا أمام نسخة مكررة من هذا السيناريو، لكن بملامح مختلفة. فالرجل لم يُمنح بعد المساحة الكافية ليُختبر، ومع ذلك بدأت حملة التشكيك مبكرًا، وكأن البعض لا يريد له أن يصل إلى لحظة الإنجاز أصلًا.

هل هي صدفة؟ أم أن هناك من يخشى نجاحه؟

الاستهداف… قراءة في الخلفيات

في بيئة سياسية معقدة كالعراق، لا يمكن فصل أي حملة إعلامية أو سياسية عن مصالح القوى الفاعلة. فكل مشروع إصلاح حقيقي يُهدد منظومات قائمة، خصوصًا تلك التي استفادت لسنوات من:

الفساد المنظم

تضخم العقود الحكومية

ضعف الرقابة والمحاسبة

من هذا المنطلق، فإن أي شخصية تُطرح بوصفها “إصلاحية” ستواجه مقاومة مبكرة، ليس لأنها فشلت، بل لأنها قد تنجح.

لكن في المقابل، لا ينبغي الوقوع في فخ التبرير المطلق. فالنقد، حتى لو كان قاسيًا، قد يكون أحيانًا انعكاسًا لذاكرة شعبية مثقلة بخيبات متراكمة، جعلت الثقة سلعة نادرة.

الاقتصاد… مفتاح الحل أم بوابة التعقيد؟

يُطرح علي الزيدي بوصفه شخصية ناجحة في المجال الاقتصادي والتجاري، وهي نقطة تُحسب له في بلد يعاني اختلالات عميقة في هذا القطاع. لكن السؤال الأهم ليس:

هل هو ناجح اقتصاديًا؟

بل: هل يستطيع نقل هذا النجاح إلى دولة مثقلة بالتشابكات السياسية؟

الاقتصاد في العراق لا يعمل بمعزل عن:

القرار السياسي

منظومات الفساد

شبكات المصالح الداخلية والخارجية

لذلك، فإن أي إصلاح اقتصادي حقيقي سيصطدم مباشرة بجدران سياسية صلبة، وقد يتحول من مشروع إنقاذ إلى ساحة صراع.

الخدمات… البساطة الخادعة

قد يبدو للوهلة الأولى أن ملف الخدمات هو “الأسهل”، لكنه في الواقع أحد أعقد الملفات. فالكهرباء، والماء، والبنى التحتية ليست مجرد مشاريع، بل هي:

عقود متراكمة

التزامات مالية طويلة الأمد

شبكات فساد متغلغلة

بمعنى آخر، الفشل السابق في هذا الملف لم يكن دائمًا نتيجة عجز، بل في كثير من الأحيان نتيجة تعمد الإبقاء على الخلل لخدمة مصالح معينة.

بين الفرصة والمحاسبة

الدعوة إلى منح علي الزيدي فرصة ليست دعوة عاطفية، بل موقف عقلاني… لكن بشرط.

فالفرصة الحقيقية لا تعني الصمت، بل تعني المراقبة الواعية.

هناك مؤشرات مبكرة يمكن من خلالها قياس الاتجاه:

هل يبدأ بتفكيك منظومات الفساد أم يتعايش معها؟

هل يختار فريقًا كفوءًا أم يعيد إنتاج المحاصصة؟

هل يتخذ قرارات جريئة أم يكتفي بإدارة الأزمة؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد إن كنا أمام مشروع إصلاح، أم مجرد تغيير في الواجهة.

الخلاصة: اختبار النوايا أم اختبار القدرة؟

العراق اليوم لا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى إرادة تنفيذ.

وعلي الزيدي، كغيره ممن سبقوه، يقف أمام اختبار مزدوج:

اختبار النوايا: هل يريد الإصلاح فعلًا؟

واختبار القدرة: هل يستطيع تحقيقه؟

أما الشارع، فلم يعد مستعدًا لمنح صكوك ثقة مفتوحة، ولا لقبول حملات إسقاط مبكرة دون دليل.

لهذا، يبقى الموقف الأكثر اتزانًا هو:

لا نحكم مبكرًا… ولا نُبرّئ مسبقًا.

بل ننتظر، نراقب، ونحكم بالنتائج.

ففي العراق، لم تعد المشكلة في من يأتي…

بل في ما الذي سيفعله حين يصل.