يوم دحو الأرض (أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) (ح 6)

د. فاضل حسن شريف

عن كروية الارض ودورانها حول نفسها في ضوء القران الكريم للدكتور منصور محمد حسب النبي بالنسبة لشكل الأرض أشار القرآن الكريم إلى اختلاف قطريها كتفصيل دقيق لكرويتها في سياق الحديث عن تاريخها المبكر عند نشأتها حسب الاية “وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا” (النازعات 30). ولقد أجمع المفسرون على تفسير لفظ دحا بمعنى مدها وبسطها، بينما الفعل دحا له معاني أخرى وردت في اللغة لم يذكرها المفسرون نذكرها فيما يلي (أ) دحا بمعنى رمى من المقر، وهذا فعلاً ما حدث للأرض عند انفصالها من الشمس منذ 4.6 مليار سنة، وخاصة وأن الفعل دحا أتى بعد تمام إخراج الضحى في السماء في قوله تعالى: “وأخرج ضحاها” أي أتمّ صنع النوم فيها، (ب) دحا بمعنى أزاح، كما ورد باللغة دحا المطر الحصى عن الأرض، والإزاحة معناها حركة بسرعة معينة مما يشير إلى حركة الأرض، ولقد اكتشف العلم الحديث خمس حركات رئيسية ومتزامنة لكوكب الأرض.

عن تفسير الميسر: قوله جل كرمه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” ﴿فاطر 44﴾ أولم يَسِرْ كفار “مكة” في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كعاد وثمود وأمثالهم، وما حلَّ بهم من الدمار، وبديارهم من الخراب، حين كذبوا الرسل، وكان أولئك الكفرة أشد قوة وبطشًا من كفار “مكة”؟ وما كان الله تعالى ليعجزه ويفوته من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليمًا بأفعالهم، قديرًا على إهلاكهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله جل كرمه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” (فاطر 44) “أوْ لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة” فأهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم “وما كان الله ليعجزه من شيء” يسبقه ويفوته “في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما” أي بالأشياء كلها “قديرا” عليها.

ان الانسان عند تعامله مع الله تعالى عليه ان يتعامل بحب فالانسان يحب الانسان الاخر الذي يخدمه. وعلى الانسان ان يزرع محبته لله في القلب “وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ” (البقرة 165). اما البدأ بالاستشعار بحب الله فتتم بالتفكير بنعم الله ومن النعم نعمة النوم بان جعل الله الارض مهدا ساكنا لم نشعر بحركتها ولو انها تتحرك حول نفسها و حول الشمس.

وعن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله جل كرمه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” ﴿فاطر 44﴾ “أ ولم يسيروا في الأرض” ﴿فاطر 44﴾ أي أ لم يسر هؤلاء (الكفار) الذين أنكروا إهلاك الله الأمم الماضية في الأرض “فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم” ﴿فاطر 44﴾ أي كيف أهلك الله المكذبين من قبلهم مثل قوم لوط وعاد وثمود فيعتبروا بهم “وكانوا” وكان أولئك “أشد منهم” ﴿فاطر 44﴾ أي من هؤلاء “قوة وما كان الله ليعجزه من شيء” أي لم يكن الله يفوته شيء “في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما” ﴿فاطر 44﴾ بجميع الأشياء “قديرا” على ما لا نهاية له.

قال الله تبارك وتعالى “أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ” (الاعراف98) عن البرهان في تفسير القرآن: المُراد من يلعبون: أي وهم مُنشغلون في شؤوناتِ حياتهم الدنيوية، فهذه الحياة في حقيقتها هي لعبٌ ولهو، لأنّها محدودة. فهذا الذي يقضي وقته ليبني بناء كبيراً، أو يبذل كلّ شيء كي يُؤسّس لعرش ملكي وكأنّه سيبقى خالداً. الذي ينظر إلى هذا الأمر من خارج حدود الدنيا يرى أنّ هذا الشخص يقوم بلعبٍ لا أكثر. فإنّه ربّما بعد ساعتين سيُفارق الدُنيا. أمّا أن يصرف الإنسان عُمره في أشياء ربّما يفقدها بعد لحظات وقيمتها تبقى في الأرض، لن تُسجّل له، إن لم تكن وبالاً عليه في يوم القيامة. أليس في الروايات ما مِن مجلس يجلسه الإنسان ويكون هذا المجلس خليّاً من ذكر محمد وال محمد، إذا كانتْ هذهِ المجالس خليّة من هذه المضامين فإنّها ستكون وبالاً على الإنسان في يوم القيامة.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله جل كرمه “أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” ﴿فاطر 44﴾ هذه الآية ترتبط بالتي قبلها، فتلك تقول: ان سنّة اللَّه فيمن مضى من مكذبي الرسل هي الإهلاك والاستئصال، وتقول هذه لمن كذّب محمدا صلى الله عليه واله وسلم: تلك آثار المكذبين قبلكم وديارهم ظاهرة للعيان، وما هي منكم ببعيد، فاضربوا في الأرض قليلا وشاهدوها لعلكم تذكّرون وتتعظون. وتقدم في الآية 46 من سورة الحج “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج 46) ج 5 ص 337 “وما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً” ﴿فاطر 44﴾ لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، فكل شيء خاضع لقدرته، وخاشع لعظمته. وفي بعض التفاسير: ان جميع المخلوقات خصماء المذنبين حتى الدواب والوحوش والذر والطيور، لأن اللَّه ينزل العذاب عليهم، وإذا نزل العذاب عمّ كما قال تعالى: “واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً” (الأنفال 25 ) ج 3 ص 468.