ثورة 14 تموز 1958 في العراق: أربع سنوات غيّرت المشهد؟ مقارنة بالأرقام مع 37 عامًا من العهد الملكي

إيهاب مقبل

عند مقارنة منجزات العهد الملكي في العراق (1921–1958) مع منجزات الجمهورية الأولى بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم (1958–1963)، فإن أول ما ينبغي التوقف عنده هو الفارق الكبير في مدة الحكم. فقد استمر العهد الملكي منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 وحتى ثورة 14 يوليو تموز 1958 نحو 37 عامًا، بينما لم تستمر تجربة عبد الكريم قاسم سوى نحو أربع سنوات وسبعة أشهر فقط، من 14 يوليو تموز 1958 حتى 8 فبراير شباط 1963.

وهذا يعني أن العهد الملكي كان أطول زمنيًا بنحو ثمانية أضعاف تقريبًا، ولذلك فإن المقارنة الموضوعية لا تعتمد فقط على مجموع المشاريع المنفذة، بل تأخذ بنظر الاعتبار طول الفترة الزمنية، وسرعة الإنجاز، وحجم التحولات التي حدثت خلال فترة قصيرة، وطبيعة الأولويات التي اعتمدتها كل مرحلة.

فالعهد الملكي ركز على بناء مؤسسات الدولة العراقية الحديثة، وإنشاء عدد من مشاريع البنية التحتية والتنمية، خصوصًا بعد تأسيس مجلس الإعمار عام 1950، بينما ركزت الجمهورية الأولى على توسيع الخدمات الاجتماعية، وإعادة توزيع الموارد، وتسريع مشاريع التعليم والإسكان والإصلاح الزراعي.

التعليم: توسع تدريجي وتسارع في عهد الجمهورية الأولى
كان التعليم من أكثر القطاعات التي شهدت تحولًا واضحًا في العراق خلال القرن العشرين، إذ انتقلت الدولة العراقية تدريجيًا من نظام تعليمي محدود في بدايات تأسيسها إلى نظام أوسع مع ازدياد أعداد المدارس والطلبة والمعلمين، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية.

وتشير البيانات الإحصائية التاريخية التي جمعتها الباحثة هيلاري فالْب كاليزمان في كتابها “المعلمون كصنّاع للدولة: التعليم وتكوين الشرق الأوسط الحديث”، والحائز على جائزة جمعية تاريخ التعليم للكتاب المتميز عام 2023، إلى أن عدد المدارس الحكومية في العراق بلغ نحو 3442 مدرسة في العام الدراسي 1956–1957، وهي السنوات الأخيرة من العهد الملكي، ثم استمر التوسع بعد ثورة 14 تموز 1958 ليصل عدد المدارس إلى نحو 3500 مدرسة تقريبًا في العام الدراسي 1959–1960.

أما عدد الطلبة، فقد ارتفع من 438,773 طالبًا في العام الدراسي 1956–1957 إلى 717,301 طالبًا في العام الدراسي 1959–1960، أي بزيادة بلغت نحو 278,528 طالبًا، وبنسبة نمو تقارب 63.5% خلال ثلاث سنوات فقط.

كما ارتفع عدد المعلمين بحسب كاليزمان من نحو 14,680 معلمًا عام 1956–1957 إلى نحو 22,494 معلمًا عام 1959–1960، أي بزيادة بلغت نحو 7,814 معلمًا، وبنسبة نمو تقارب 53%.

وتشير هذه الأرقام إلى أن سنوات الجمهورية الأولى شهدت استمرارًا وتسارعًا في سياسة التوسع التعليمي، من خلال زيادة أعداد الطلبة والمعلمين، وفتح المجال أمام شرائح اجتماعية أوسع للالتحاق بالتعليم، ولا سيما أبناء الفئات محدودة الدخل.

ولم يقتصر التوسع في التعليم خلال الجمهورية الأولى على زيادة أعداد المدارس والطلبة والمعلمين، بل شمل أيضًا إجراءات هدفت إلى تخفيف الأعباء المالية عن الأسر العراقية وتشجيع استمرار الطلبة في الدراسة. وبحسب ما ورد في كتاب دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960، فقد اتبعت الدولة في تلك المرحلة سياسة لدعم الطلبة من خلال توفير الكتب الدراسية؛ إذ كانت كتب الدراسة توزع مجانًا لطلبة المرحلة الابتدائية، كما كانت 60% من كتب الدراسة الثانوية توزع مجانًا على الطلبة الفقراء، في حين كانت الكتب تباع للطلبة الآخرين بسعر التكلفة.

وكان هذا التوجه جزءًا من سياسة أوسع قامت على جعل التعليم أداة للتنمية الاجتماعية وبناء الكوادر التي تحتاجها الدولة في مجالات الإدارة والصناعة والزراعة والخدمات.

التعليم المهني: إعداد الكوادر المرتبطة بالتنمية
لم يقتصر التوسع التعليمي خلال الجمهورية الأولى على التعليم العام، بل شمل أيضًا التعليم المهني والتقني، باعتباره أحد الأدوات الأساسية لإعداد الكوادر التي تحتاجها خطط التنمية الاقتصادية والصناعية والزراعية.

وتشير دراسة حديثة للدكتور علاء عبد الخالق حسين بعنوان “وزراء المعارف والتربية في العراق (1921–1980): الأدوار والمنجزات في بناء النظام التعليمي وتطوره” إلى أن عدد الطلبة في المعاهد المهنية ارتفع من نحو 3200 طالب عام 1958 إلى نحو 12,500 طالب عام 1965، أي بزيادة بلغت 9300 طالب، وبنسبة نمو تقارب 291% خلال سبع سنوات.

ويعكس هذا الارتفاع التحول في توجه الدولة نحو توسيع التعليم المهني والتقني، وربطه بحاجات التنمية في مجالات الصناعة والزراعة والخدمات.

محو الأمية: حملة وطنية لتوسيع قاعدة التعليم
ولم تقتصر السياسات التعليمية خلال الجمهورية الأولى على بناء المدارس وتوسيع التعليم النظامي، بل شملت أيضًا مواجهة مشكلة الأمية التي كانت تمثل تحديًا اجتماعيًا كبيرًا في العراق.

وتولى حقيبة وزارة التربية خلال هذه الفترة عدد من الوزراء الذين سعوا إلى ترجمة توجهات الثورة إلى سياسات تعليمية عملية، وكان من أبرزهم هديب الحاج حمود (1958–1961)، الذي ارتبط اسمه بحملة محو الأمية الكبرى.

فقد شهدت هذه المرحلة إصدار تشريعات جعلت محو الأمية هدفًا إلزاميًا للمواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و45 عامًا، مع إنشاء مراكز خاصة لمحو الأمية في مختلف أنحاء البلاد.

وتشير دراسة “وزراء المعارف والتربية في العراق (1921–1980): الأدوار والمنجزات في بناء النظام التعليمي وتطوره” إلى أن حملة محو الأمية التي أطلقت في تلك المرحلة أسهمت في خفض نسبة الأمية من نحو 85% إلى 65% خلال ثلاث سنوات فقط، أي بانخفاض قدره 20 نقطة مئوية.

وقد شكلت حملة محو الأمية، إلى جانب التوسع في المدارس والتعليم المهني وتوفير الكتب الدراسية، جزءًا من سياسة هدفت إلى جعل التعليم أداة للتنمية الاجتماعية وبناء الكوادر الوطنية اللازمة لمؤسسات الدولة ومشاريعها الاقتصادية.

التعليم العالي: تأسيس جامعة بغداد وبداية مرحلة جامعية جديدة
يُعد تأسيس جامعة بغداد من أبرز التحولات في تاريخ التعليم العالي العراقي الحديث. فقد بدأت فكرة إنشاء جامعة عراقية في بغداد بدراسة رسمية عام 1943، ثم صدر قرار تأسيسها عام 1956، وبدأت الجامعة نشاطها الفعلي عام 1957، قبل ثورة 14 يوليو تموز 1958، لتجمع عددًا من الكليات والمؤسسات التعليمية القائمة آنذاك ضمن مؤسسة جامعية موحدة.

وضمت الجامعة عند تنظيم كيانها عددًا من الكليات الأساسية التي شكلت قاعدة مهمة لإعداد الكوادر العلمية، منها الطب والهندسة والحقوق والتربية والآداب والزراعة والعلوم والصيدلة والتجارة والطب البيطري.

وخلال عهد الجمهورية الأولى استمر تطوير الجامعة والتوسع في بنيتها العلمية والعمرانية، إذ وُضع عام 1960 التصميم الأساسي لحرم جامعة بغداد في الجادرية من قبل شركة The Architects’ Collaborative (TAC)، التي كان من أبرز معمارييها والتر غروبيوس، أحد رواد العمارة الحديثة في القرن العشرين. وقد صُمم الحرم الجامعي ليكون مجمعًا علميًا متكاملًا يستوعب توسع التعليم العالي في العراق.

كما شهدت هذه المرحلة استمرار تطوير الاختصاصات وربط التعليم العالي بحاجات التنمية، ولا سيما في مجالات إعداد المدرسين والمهندسين والأطباء والمتخصصين في العلوم والزراعة، مع تعزيز البنية العلمية والعمرانية للجامعة بما يدعم دورها في إعداد الكوادر الوطنية اللازمة لمؤسسات الدولة ومشاريعها التنموية.

الإسكان: ظهور مشاريع المدن الشعبية ومعالجة أزمة الصرائف
كان قطاع الإسكان من المجالات التي شهدت تحولًا واضحًا في العراق خلال مرحلة الانتقال من العهد الملكي إلى الجمهورية الأولى، إذ واجهت بغداد مشكلة متزايدة نتيجة ارتفاع معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة وانتشار مناطق السكن غير النظامي المعروفة باسم الصرائف، وهي تجمعات سكنية فقيرة أقيمت غالبًا في أطراف المدن باستخدام مواد بسيطة مثل القصب والطين والصفيح، وكانت تفتقر في كثير من الأحيان إلى الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء وشبكات الصرف الصحي.

وفي عام 1955، أي قبل ثلاث سنوات من سقوط النظام الملكي، تعاقد مجلس الإعمار العراقي مع شركة دوكسيادس أسوشيتس (Doxiadis Associates)، المتخصصة في العمارة والتخطيط الحضري ومقرها أثينا، لوضع برنامج للإسكان ومعالجة مشكلة الصرائف من خلال إزالة مناطق السكن غير النظامي وإنشاء أحياء سكنية بديلة للفئات محدودة الدخل.

وضعت شركة دوكسيادس تصاميم تعتمد على نظام شبكي مقسم إلى قطاعات عمرانية منتظمة، مع إنشاء مساكن من الطابوق أو الخرسانة، وتوفير الخدمات العامة المصاحبة مثل المدارس والحدائق العامة ورياض الأطفال والمرافق الأساسية. إلا أن تنفيذ هذه الخطط لم يبدأ فعليًا قبل ثورة 14 يوليو تموز 1958، ولم تبدأ عملية إعادة إسكان سكان الصرائف على نطاق واسع إلا خلال عقد الستينيات.

ولم تقتصر أعمال دوكسيادس على بغداد، بل شملت برنامجًا أوسع للتخطيط الحضري في العراق. فبحسب أرشيف شركة دوكسيادس أسوشيتس، أعد المكتب خلال الفترة 1956–1959 مخططات عمرانية رئيسية لـ25 مدينة عراقية ضمن برنامج مجلس الإعمار العراقي، شملت هذه المخططات عددًا من المدن العراقية مثل البصرة والموصل وكربلاء والكوت وأربيل والسليمانية والعمارة والنجف والكوفة والديوانية والناصرية والرمادي وغيرها من المدن، إضافة إلى إعداد تصاميم أولية ونهائية وشبكات طرق حضرية ضمن هذه المدن. وقد هدفت هذه المخططات إلى تنظيم التوسع الحضري، وتحديد استعمالات الأراضي، وتطوير شبكات الطرق والخدمات العامة، بما يعكس توجه الدولة العراقية آنذاك نحو إدخال التخطيط العمراني الحديث إلى المدن العراقية.

وفي بغداد، وضع مكتب دوكسيادس تصورات متكاملة لتطوير العاصمة من خلال مشروعات عدة، من أبرزها مشروع تطوير شرق بغداد ومشروع تطوير غرب بغداد. فقد ارتبط مشروع شرق بغداد بمعالجة أزمة الصرائف وإعادة إسكان سكان المناطق الفقيرة، بينما جاء مشروع غرب بغداد ضمن رؤية أوسع لتوجيه نمو العاصمة وإنشاء مناطق سكنية منظمة مزودة بالخدمات والبنية التحتية.

وتشير الباحثة أنصار جاسم في دراستها “القوة التحتية و«التخدير» في العراق: الصراع حول مدينة الصدر” إلى أن مشروع مدينة الثورة (مدينة الصدر حاليًا) ارتبط بمشروع تطوير شرق بغداد، وأن التخطيط الأولي لمعالجة مشكلة الصرائف بدأ قبل ثورة 1958، بينما توسع التنفيذ خلال عهد عبد الكريم قاسم.

وبعد الثورة تبنت حكومة عبد الكريم قاسم (1958–1963) مخططات دوكسيادس، وبدأت بتنفيذ مشروع تطوير شرق بغداد، الذي أصبح أحد أبرز مشاريع الإسكان الشعبي في تلك المرحلة. ومن خلال هذا المشروع ظهرت مدينة الثورة على نطاق واسع، إذ بلغت مساحتها الأولية نحو 5800 دونم من أراضي الدولة.

وقامت وزارة الأشغال والإسكان في البداية ببناء 911 وحدة سكنية خلال عامي 1960–1961 لإسكان الموظفين المدنيين من ذوي الدخل المحدود. أما الأراضي المتبقية فقُسمت إلى قطع سكنية تبلغ مساحة كل منها نحو 144 مترًا مربعًا، مع التخطيط لتطوير البنية التحتية والخدمات العامة.

وبذلك أصبحت مدينة الثورة نموذجًا لسياسة الإسكان الشعبي في الجمهورية الأولى، إذ جمعت بين معالجة أزمة السكن، ونقل سكان الصرائف إلى مناطق أكثر تنظيمًا، وتوسيع دور الدولة في توفير السكن والخدمات للفئات محدودة الدخل. كما توضح هذه التجربة أن مشاريع الإسكان في عهد عبد الكريم قاسم قامت على مخططات عمرانية أُعد جزء منها قبل عام 1958، ثم جرى توسيع تنفيذها خلال سنوات الجمهورية الأولى.

مشروعات أخرى: البنية التحتية والمرافق العامة
إلى جانب مشاريع التعليم والإسكان، شهدت الجمهورية الأولى إطلاق واستكمال عدد من المشاريع الكبرى في مجالات البنية التحتية والمرافق العامة، ضمن توجه حكومي نحو توظيف الموارد المتاحة في إنشاء مؤسسات وخدمات جديدة تخدم التنمية الاجتماعية والعمرانية.

ففي أواخر عام 1959، زار وفد من مؤسسة كالوست كولبنكيان (Calouste Gulbenkian Foundation) رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، وقدم عرضًا للحكومة العراقية يقضي بتخصيص جزء من العائدات النفطية التي تملكها المؤسسة لتمويل إنشاء عدد من المشاريع في بغداد. وشملت هذه المشاريع المتحف العراقي، والمسرح الوطني العراقي، ومدينة الطب، وملعب الشعب، بهدف دعم الجوانب الثقافية والصحية والرياضية في العاصمة.

ويُعد ملعب الشعب الدولي في بغداد من أبرز المشاريع الرياضية التي ارتبطت بمرحلة الجمهورية الأولى. ففي 21 أبريل نيسان 1960، أعلن عبد الكريم قاسم أمام نحو 15 ألف متفرج عن إنشاء ملعب الشعب ليكون الملعب الرسمي الجديد للمنتخب العراقي لكرة القدم، وأوضح أن المشروع سيكتمل عام 1962 بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 50 ألف متفرج.

كما كان مشروع مدينة الطب في بغداد من المشاريع التي أُدرجت ضمن البرامج التي دعمتها مؤسسة كالوست كولبنكيان في تلك المرحلة، بهدف تطوير الخدمات الصحية والتعليم الطبي وإنشاء مجمع طبي حديث. وقد بدأ المشروع خلال عهد عبد الكريم قاسم، بينما اكتمل إنشاء المجمع وافتتاحه في سنوات لاحقة، مما يعكس طبيعة المشاريع الكبرى التي تمتد مراحل تنفيذها عبر أكثر من حكومة.

ومن مشاريع تطوير البنية التحتية التي شهدت التنفيذ خلال الجمهورية الأولى أيضًا جسر 14 تموز في بغداد، وهو جسر معلق فوق نهر دجلة يربط مركز المدينة بمنطقة الكرادة عبر شارع 14 تموز. وقد حمل الجسر اسم ثورة 14 تموز 1958، وأصبح أحد الرموز العمرانية المرتبطة بالعهد الجمهوري. وكان تصميم الجسر قد أُسند إلى المهندس المدني الأمريكي ديفيد ب. شتاينمان عام 1956، إلا أن أعمال التنفيذ لم تبدأ إلا عام 1961 بسبب الظروف السياسية في العراق ووفاة المصمم عام 1960. ويُعد الجسر أول جسر معلق في بغداد، وقد صُمم لاستيعاب حركة المركبات والمشاة بين جانبي العاصمة.

وإلى جانب هذه المشاريع الكبرى، استمرت خلال عهد عبد الكريم قاسم أعمال تطوير البنية التحتية، بما في ذلك توسعة شبكات الطرق والجسور، وتحسين خدمات الماء والكهرباء، ومواصلة مشاريع الري والتنمية الزراعية، إضافة إلى تنفيذ مشاريع عمرانية وسكنية هدفت إلى توسيع دور الدولة في تقديم الخدمات العامة وتحسين مستوى المعيشة.

وتوضح هذه المشاريع أن الجمهورية الأولى لم تركز فقط على القطاعات الاجتماعية مثل التعليم والإسكان، بل سعت أيضًا إلى تحديث البنية العمرانية للعاصمة وإنشاء مؤسسات ومرافق عامة ذات طابع حديث، مع اعتماد جزء من هذه المشاريع على خطط وتمويلات بدأت في أواخر العهد الملكي ثم توسع تنفيذها بعد عام 1958.

الإصلاح الزراعي: إعادة توزيع ملكية الأرض وتغيير بنية الريف
كان الإصلاح الزراعي من أبرز السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقتها الجمهورية الأولى، إذ صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 بعد أشهر من قيام ثورة 14 يوليو تموز، بهدف معالجة مشكلة تركز ملكية الأراضي الزراعية في أيدي عدد محدود من كبار الملاك، وإعادة تنظيم العلاقة بين الفلاحين ومالكي الأراضي.

وحدد القانون سقفًا أعلى لملكية الأراضي الزراعية، وصادرت الدولة الأراضي التي تجاوزت الحدود المقررة، ثم أعادت توزيع جزء منها على الفلاحين وفق شروط محددة، مع إنشاء جمعيات تعاونية زراعية لتقديم الدعم والخدمات للفلاحين مثل القروض والبذور والمعدات الزراعية.

استهدف الإصلاح الزراعي إنهاء نظام الإقطاع الزراعي الذي كان سائدًا في مناطق واسعة من العراق، وتحويل الفلاحين من عمال زراعيين مرتبطين بملاك الأراضي إلى أصحاب حقوق أكثر استقلالًا في استغلال الأرض. كما ارتبط الإصلاح بسياسة أوسع هدفت إلى رفع مستوى المعيشة في الريف وتقليل الفوارق الاجتماعية بين المدن والأرياف.

ورغم أن الإصلاح الزراعي واجه تحديات تتعلق بضعف الخبرات الإدارية، ونقص الخدمات الزراعية، وصعوبات توزيع الأراضي واستثمارها، فإنه مثّل تحولًا كبيرًا في تاريخ الريف العراقي، وكان من أهم الإجراءات التي ميزت تجربة عبد الكريم قاسم عن العهد الملكي.

النفط: إعادة تنظيم العلاقة مع شركات الامتياز وتعزيز دور الدولة في إدارة الثروة النفطية
كان النفط يمثل المورد الاقتصادي الأساسي للعراق خلال القرن العشرين، إلا أن إدارة هذا القطاع خلال العهد الملكي ارتبطت بدرجة كبيرة بنظام الامتيازات الأجنبية الذي منح شركات نفطية دولية دورًا رئيسيًا في استكشاف وإنتاج النفط العراقي.

ففي 31 يوليو تموز عام 1928، ووفقًا لـ اتفاقية الخط الأحمر (Red Line Agreement)، جرى تنظيم ملكية شركة النفط التركية (Turkish Petroleum Company – TPC)، التي أصبحت تُعرف لاحقًا باسم شركة نفط العراق (Iraq Petroleum Company – IPC). وقد توزعت الحصص بين عدد من الشركات النفطية الأجنبية الكبرى؛ إذ امتلكت شركة النفط الأنجلو-فارسية (Anglo-Persian Oil Company – بريطانيا) نسبة 23.75%، وشركة رويال داتش شل (Royal Dutch/Shell – هولندا) نسبة 23.75%، وشركة البترول الفرنسية (Compagnie Française des Pétroles – فرنسا) نسبة 23.75%، وشركة تطوير الشرق الأدنى (Near East Development Corporation – الولايات المتحدة) نسبة 23.75%، إضافة إلى حصة بلغت 5% لرجل الأعمال الأرمني كالوست كولبنكيان (Calouste Gulbenkian).

وشكل هذا النظام أحد أبرز مظاهر السيطرة الأجنبية على قطاع النفط العراقي خلال العهد الملكي، إذ كانت الشركات صاحبة الامتياز تتمتع بنفوذ واسع في إدارة عمليات الإنتاج والتسويق، بينما بقيت حصة العراق من العائدات محدودة مقارنة بحجم الإنتاج والأرباح التي حققتها الشركات النفطية الدولية. وكان استمرار امتياز شركة نفط العراق محل جدل سياسي واسع، إذ رأى منتقدو النظام الملكي أن ترتيبات الامتياز لم تحقق للعراق سيطرة كافية على ثروته النفطية.

وبعد قيام الجمهورية الأولى عام 1958، اتجهت حكومة عبد الكريم قاسم إلى إعادة تنظيم علاقة الدولة بقطاع النفط وتعزيز دور الحكومة في إدارة الموارد النفطية. وكان من أبرز الإجراءات في هذا الاتجاه صدور القانون رقم 80 لسنة 1961، الذي استعاد للدولة العراقية حق التصرف بالأراضي غير المستثمرة نفطيًا التي كانت ضمن نطاق امتياز شركة نفط العراق، وقلّص مساحة الامتيازات الممنوحة للشركات الأجنبية، مما شكل خطوة مهمة نحو زيادة السيطرة الوطنية على الثروة النفطية. وجاء هذا الإجراء ضمن سياق أوسع من محاولات الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط تعزيز دورها في إدارة مواردها الطبيعية وتقليص نفوذ شركات النفط الدولية، وهو ما يوضحه دانيال يِرغِن في كتابه الجائزة: “الملحمة الكبرى للنفط والمال والسلطة” عند تناوله تطور العلاقة بين الدول المنتجة وشركات النفط العالمية.

كما ارتبطت السياسة النفطية في عهد عبد الكريم قاسم بتوجه نحو استخدام الموارد النفطية في دعم مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتمويل قطاعات مثل التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية. ورغم أن هذه المرحلة لم تشهد تأميم النفط الكامل الذي جرى عام 1972 خلال عهد الرئيس أحمد حسن البكر، فإنها مثلت مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ السياسة النفطية العراقية، وأسست لتوسيع دور الدولة في إدارة القطاع النفطي ومهدت للتطورات اللاحقة التي انتهت إلى إحكام السيطرة الوطنية على صناعة النفط.

الخاتمة: مرحلتان مختلفتان في بناء الدولة العراقية الحديثة
تكشف المقارنة بين العهد الملكي في العراق (1921–1958) والجمهورية الأولى بقيادة عبد الكريم قاسم (1958–1963) عن مرحلتين تاريخيتين مختلفتين في طبيعة بناء الدولة وتحديد أولويات التنمية. فقد امتد العهد الملكي لنحو 37 عامًا، وهي فترة طويلة نسبيًا شهدت تأسيس مؤسسات الدولة العراقية الحديثة، وبناء عدد من مشاريع البنية التحتية الكبرى، خصوصًا بعد إنشاء مجلس الإعمار عام 1950، الذي وضع أسسًا لبرامج التنمية في مجالات الري والكهرباء والطرق والخدمات.

أما الجمهورية الأولى، ورغم قصر مدتها التي لم تتجاوز أربع سنوات وسبعة أشهر، فقد اتسمت بسرعة التحول الاجتماعي واتساع دور الدولة في تقديم الخدمات وإعادة توزيع الموارد. فقد شهدت هذه المرحلة توسعًا واضحًا في التعليم، وزيادة أعداد الطلبة والمعلمين، وتطوير التعليم المهني، وإطلاق حملات لمحو الأمية، إضافة إلى تعزيز التعليم العالي من خلال تطوير جامعة بغداد وتوسيع بنيتها العلمية والعمرانية.

وفي مجال الإسكان، اتجهت حكومة عبد الكريم قاسم إلى معالجة أزمة السكن ومشكلة الصرائف عبر تبني مخططات عمرانية حديثة، كان جزء منها قد بدأ التخطيط له قبل عام 1958، ثم توسع تنفيذه خلال الجمهورية الأولى، كما حدث في مشروع تطوير شرق بغداد ومدينة الثورة. ويعكس ذلك طبيعة التنمية في تلك المرحلة، حيث استندت بعض المشاريع إلى خطط سابقة، لكنها اكتسبت زخمًا أكبر مع توجه الدولة الجديدة نحو الإسكان الشعبي وتوسيع الخدمات للفئات محدودة الدخل.

كما شهدت الجمهورية الأولى تقدمًا في مجالات الصحة والبنية التحتية والمرافق العامة، من خلال التخطيط أو تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى، مثل مدينة الطب، وملعب الشعب، وجسر 14 تموز، إضافة إلى مواصلة تطوير شبكات الطرق والخدمات الأساسية. وقد عكست هذه المشاريع توجه الدولة نحو إنشاء مؤسسات عامة حديثة وربط التنمية الاقتصادية بالاحتياجات الاجتماعية والعمرانية.

وفي مجال الإصلاح الزراعي، شهدت الجمهورية الأولى أحد أكبر التحولات الاجتماعية في الريف العراقي، إذ صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958، الذي وضع قيودًا على الملكية الزراعية الكبيرة، وأعاد تنظيم توزيع الأراضي الزراعية، بهدف تقليص تركّز الملكية بيد عدد محدود من كبار الملاّك وتحسين أوضاع الفلاحين. وقد مثل هذا الإصلاح محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والريف، وجعل القطاع الزراعي أكثر ارتباطًا بأهداف التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وفي المجال النفطي، شكل القانون رقم 80 لسنة 1961 نقطة تحول مهمة في علاقة الدولة بالثروة النفطية، إذ قلّص نطاق امتياز شركة نفط العراق وعزز دور الحكومة في إدارة الموارد النفطية. ورغم أن التأميم الكامل للنفط لم يتحقق إلا عام 1972، فإن هذه المرحلة مثلت خطوة انتقالية مهمة نحو زيادة السيطرة الوطنية على القطاع النفطي.

ومع ذلك، فإن القراءة التاريخية المتوازنة تقتضي النظر إلى هذه المراحل باعتبارها حلقات مترابطة في مسار تطور الدولة العراقية، إذ إن كثيرًا من المشاريع التي ظهرت نتائجها بعد عام 1958 كانت قد بدأت من حيث التخطيط أو التمويل في العهد الملكي، في حين أعادت الجمهورية الأولى توجيه جزء كبير منها نحو أهداف اجتماعية أوسع، مثل التعليم المجاني، والإسكان الشعبي، وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد.

وبذلك يمكن القول إن العهد الملكي ركز بصورة أساسية على بناء مؤسسات الدولة ومشاريع التنمية طويلة الأمد، بينما ركز عهد عبد الكريم قاسم على تسريع التحولات الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين من خدمات الدولة. وكانت تجربة الجمهورية الأولى، رغم قصرها والظروف السياسية المضطربة التي أحاطت بها، مرحلة مؤثرة في تاريخ العراق الحديث، تركت آثارًا واضحة في مجالات التعليم والإسكان والإصلاح الزراعي والنفط وبناء المؤسسات العامة.

المراجع:
هيلاري فالْب كاليزمان، المعلمون كصنّاع للدولة: التعليم وتكوين الشرق الأوسط الحديث، مطبعة جامعة برينستون، برينستون، 2022، الصفحات 194 – 201. متوفر بالإنجيلزية على الرابط:
https://dokumen.pub/teachers-as-state-builders-education-and-the-making-of-the-modern-middle-east-9780691204321.html

محمود فهمي درويش، مصطفى جواد، أحمد سوسة، دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960، دار مطبعة التمدن، بغداد، 1961، ص 471. متوفر بالعربية على الرابط:
https://archive.org/details/1960-.-.-1960/mode/2up

علاء عبد الخالق حسين، “وزراء المعارف والتربية في العراق (1921–1980): الأدوار والمنجزات في بناء النظام التعليمي وتطوره”، مؤسسة العراقة للثقافة والتنمية، العدد 8، 18 مارس آذار 2025. متوفر بالعربية على الرابط:
https://al-araqah.com/wp-content/uploads/2025/05/%D9%88%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D9%81-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-1921-1980-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%87-1.pdf

جامعة بغداد، “نشأة جامعة بغداد”، الموقع الرسمي لجامعة بغداد، متاح بالعربية على الرابط:

نشأة جامعة بغداد

أنصار جاسم، القوة التحتية و«التخدير» في العراق: الصراع حول مدينة الصدر، مجلة الشرق الأوسط والقانون والحكم، المجلد 17، العدد 2، 2025، ص 199–271. متاح بالانجليزية على الرابط:
https://pure-oai.bham.ac.uk/ws/portalfiles/portal/277203734/DarwichM2025Asphalt.pdf

دوكسيادس أسوشيتس، «المخططات العمرانية الرئيسية لـ25 مدينة عراقية – العراق»، أرشيف دوكسيادس، مشروع أُنجز خلال المدة 1956–1959 ضمن برنامج التخطيط العمراني والإسكان في العراق.

Master Plans for 25 Towns – IRAQ

دوكسيادس أسوشيتس، «تقرير حول تطوير بغداد: مساهمة في أفكار تطوير عاصمة العراق»، الوثيقة DOX-QA 91، مقدم إلى مجلس الإعمار ووزارة الإعمار، 14 فبراير شباط 1959، أرشيف قسطنطين أ. دوكسيادس.
https://www.doxiadis.org/ViewDocument.aspx?Id=2483824

دوكسيادس أسوشيتس، «القطاع العاشر من المخطط الجزئي لغرب بغداد (1957–1958): حي الثورة (مدينة الصدر حاليًا)، جزء من المخطط الجزئي لتطوير شرق بغداد»، أُنجز المخطط عام 1958، ونُفذ خلال المدة 1961–1963، أرشيف قسطنطين أ. دوكسيادس.
https://www.doxiadis.org/ViewDocument.aspx?Id=2340208

ملعب الشعب الدولي، ويكيبيديا الإنجليزية، تاريخ إنشاء الملعب ومعلومات المشروع والمواصفات.
https://en.wikipedia.org/wiki/Al-Shaab_Stadium?utm_source=chatgpt.com#cite_note-Al-Shaab_Stadium_-_Kooora_Forums-6

جسر 14 تموز، ويكيبيديا الإنجليزية، معلومات عن تاريخ الجسر وتصميمه وتنفيذه.
https://en.wikipedia.org/wiki/14th_of_July_Bridge

قانون الإصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958 وتعديلاته، القوانين والتشريعات العراقية، قاعدة التشريعات العراقية، موقع درر العراق.

قانون تعديل قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958

مكتب المؤرخ، وزارة الخارجية الأمريكية، “اتفاقية الخط الأحمر (1928)”، ضمن سلسلة “محطات في تاريخ العلاقات الخارجية للولايات المتحدة”، وزارة الخارجية الأمريكية.
https://history.state.gov/milestones/1921-1936/red-line

دانيال يِرغِن، الجائزة: الملحمة الكبرى للنفط والمال والسلطة، نيويورك: دار سايمون وشوستر، 1991. متاح بالانجليزية على الرابط:
https://www.iwp.edu/wp-content/uploads/2020/06/The-Prize-The-Epic-Quest-for-Oil-Money-and-Power-by-Daniel-Yergin.pdf

انتهى