بمناسبة اصدار مصحف النجف الأشرف (والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) (ح 17)

د. فاضل حسن شريف

عن المرجع الألكتروني للمعلوماتية: أكّد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أنّ مصحف النجف الأشرف هو ردٌّ عمليّ على بعض الشبهات، التي يُرمى بها أتباعُ أهل البيت (عليهم السلام) فيما يخصّ القرآن الكريم. جاء ذلك خلال استقبال سماحته وفد قرّاء العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، واستماعه لشرحٍ عن جهود خدمة كتاب الله العزيز. وبيّن سماحته أنّ فكرة طباعة مصحف النجف الأشرف والمراحل التي مرّت به وُلِدت عام 2009، وفي السنوات الخمس الأخيرة تمّ إنجاز العمل حتّى انتهى في شهر رمضان الكريم 1447، وأُعلِن عنه في ذكرى ولادة الإمام الرضا عليه السلام. وأضاف أنّ أهمّية مثل هذه الطبعة العراقية وباسم النجف الأشرف، تكمن في الردّ على بعض الشبهات التي يُرمى بها أتباعُ أهل البيت (عليهم السلام) فيما يخصّ القرآن الكريم، رغم أنّهم يؤمنون بسلامته من كلّ نقصٍ أو تحريف، ويكتبون بأقلام خطّاطيهم ويطبعون نفس ما يتداوله باقي المسلمين من نسخ المصحف الشريف. من جهته قال القارئ محمد صادق محمد، “أتقدّم بالشكر والتحية لسيّدي ومولاي أبي الفضل العباس عليه السلام ونحن في حرمه الشريف في هذا اليوم المبارك، وثانيًا أشكر سماحة السيد أحمد الصافي على استضافتنا وتكريمنا مع ثلّةٍ من قرّاء العتبتَينِ المقدّستَينِ الحسينيّة والعبّاسية، وإهداء كلٍّ منّا هدية ثمينة، تتمثّل بمصحف النجف الأشرف الذي طُبِع بإشراف العتبة العبّاسية المقدّسة، وبتأييدٍ ومباركةٍ من المرجعية الدينيّة العُليا في النجف الأشرف”. وأضاف، أن هذه أكبر وأعظم هديّة، ومنجز ذي بُعدٍ تأريخي، مؤكّدًا أنّ الحاضرين لمسوا اهتمامًا كبيرًا لسماحة السيد الصافي بالقرآن الكريم وقرّائه وقرّاء الأدعية.

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تقدست أسماؤه “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ” ﴿فصلت 44﴾ الآية التي بعدها تتحدث عن ذرائع هؤلاء المعاندين، وترد على واحدة منها، إذ هم كانوا يقولون: لماذا لم ينزل القرآن بلسان الأعاجم حتى نهتم به أكثر ويستفيد منهُ غير العرب؟ إنّها حجّة عجيبة: ولعلّهم كانوا يستهدفون منها عدم فهم الناس القرآن حتى لا يضطروا إلى منعهم عنه، كما حكى القرآن عن سلوكهم هذا في آية سابقة في قوله تعالى: “لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه” ( في تفسير الفخر الرازي نقرأ قوله: نقلوا في سبب نزول هذه الآية أنّ الكفار لأجل التعنت قالوا: لونزل القرآن بلغة العجم).). وهنا يجيب القرآن على هذا القول بقوله: “ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته”. ثم يضيفون: يا للعجب قرآن أعجمي من رسول عربي؟: “أأعجمي وعربي” ﴿فصلت 44﴾. أو يقولون: كتاب أعجمي لأُمّة تنطق بالعربية؟ والآن وبالرغم من نزوله بلسان عربي، والجميع يدرك معانيه بوضوح ويفهم عمق دعوة القرآن، إلاّ أنّهم ومع ذلك نراهم يصرخون: “لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ” (فصلت 26). إنّ الآية تتحدث في الواقع عن المرض الكامن في نفوس هؤلاء وعجزهم عن مواكبة الهدى والنور الذي أنزل عليهم من ربّهم، فإذا جاءهم بلسانهم العربي قالوا: هو السحر والأسطورة، وإذا جاءهم بلسان أعجمي فإنّهم سيعتبرونه غير مفهوم، وإذا جاءهم مزيجاً من الألفاظ العربية والأعجمية عندها سيقولون بأنّه غير موزون (بعض المفسّرين فسّر قوله تعالى: (أأعجمي وعربي) بنفس معناه المباشر أي مزيج وخليط بين العربي والأعجمي ). وينبغي الإنتباه هنا إلى أنّ كلمة (أعجمي) من (عجمة) على وزن (لقمة) وتعني عدم الفصاحة والإبهام في الكلام، وتطلق (عجم) على غير العرب لأن العرب لا يفهمون كلامهم بوضوح، وتطلق (أعجم) على من لا يجيد الحديث والكلام سواء كان عربياً أو غير عربي. بناءاً على هذا فإنّ (أعجمي) هي (أعجم) منسوبة بالياء. ثم يخاطب القرآن الرّسول صلى الله عليه وآله وسلّم بالقول: “قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاء”. أمّا لغيرهم: (والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر) أيّ (ثقل) ولذلك لا يدركونه. ثم إنّه: “وهو عليهم عمى” ﴿فصلت 44﴾ بعض المفسّرين ذهب إلى القول بأنّ الجملة أعلاه معناها هو: أنّ القرآن هو سبب في عمى هذه الفئة وعدم رؤيتها) في حين أنّ الراغب في المفردات وابن منظور في لسان العرب اعتبرا قول العرب (عمي عليه) بمعنى أنّهُ (اشتبه حتى صار الإضافة إليه كالأعمى) وبناءاً على هذا يكون المراد من الآية هوما ذهبنا إليه في المتن. أيّ أنّهم لا يرونه بسبب عماهم، فهؤلاء كالاشخاص الذين ينادون من بعيد: “أُولئك ينادون من مكان بعيد” ﴿فصلت 44﴾. ومن الواضح أنّ مثل هؤلاء الأشخاص لا يسمعون ولا يبصرون. فلأجل العثور على الطريق والوصول إلى الهدف لا يكفي وجود النور وحده، فيجب أن تكون هناك عين تبصر، كذلك يقال في مسألة التعلّم، حيثُ لا يكفي وجود المبلّغ والداعية الفصيح، بل ينبغي أن تكون هناك أذن تسمع وتعي، فلا شك في بركة المطر وتأثيره في نمو النباتات. ولكن المسألة في الارض. طيبة أم خبيثة. فالذين يتعاملون مع القرآن بروح تبحث عن الحقيقة سيهتدون وستشفى نفوسهم وصدورهم به، حيث يعالج القرآن الكريم الأمراض الأخلاقية والروحية، ثم يشدّون الرحال للسفر نحو الآفاق العالية في ظل نور القرآن وهداه. أمّا ماذا يستفيد المعاندون والمتعصبون وأعداء الحق والحقيقة وأعداء الأنبياء والرسل من كتاب الله تعالى، فهم في الواقع مثلهم مثل الأعمى والأصم ومن ينادى من مكان بعيد، فهل تراه يسمع النداء أو يستجيب لهداه، إنّهم كمن أصيب بالعمى والصمم المضاعف، وهو بعد ذلك في مكان بعيد. ونقل بعض المفسّرين أنّ أهل اللغة يقولون لمن يفهم: أنت تسمع من قريب. ويقولون لمن لا يفهم: أنت تنادى من بعيد. (وثمّة شرح مفصل حول شفاء القرآن ومعالجته لآلام الإنسان الروحية، يمكن مراجعته ذيل الآية (82) من سورة الإسراء ” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا” (الاسراء 82))

جاء في موقع آل الراشد عن الفرق بين القرآن والفرقان والكتاب والذكر: “وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” (سورة البقرة 53). الكتاب من كَتَبَ، والكتاب في اللسان العربي يعني جمع أشياء بعضها مع بعض لإخراج معنى مفيد، أو لإخراج موضوع ذي معنى متكامل، وعندما نجمع أحاديث سيّدنا الرسول صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وأصحابه الثقات العدول، حسب المواضيع، كأنْ نجمع مواضيع الصلاة ونسمّيه كتاباً فنقول: كتاب الصلاة، وإذا جمعنا مواضيع الصوم نقول: كتاب الصوم. وإذا قلنا كلمة كتاب ولم نعطها إضافة لتوضيح الموضوع يصبح المعنى ناقصاً، وعلينا أنْ نقول: كتاب اللغة العربية للصف الثالث متوسط مثلاً. أي هذا الكتاب يجمع مواضيع اللغة العربية بعضها إلى بعض وهي صالحة لطلاب الثالث متوسط. وبما أنّه أوحي إلى سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم مواضيع عدّة في القرآن الكريم، سمّي كتابا، قال سبحانه: “رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ” (سورة البينة 2 – 3). فمن هذه الكتب القيمة: كتاب الخلق، كتاب الساعة، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الحج، كتاب المعاملات إلخ. فكلّ هذه المواضيع هي كتب. وعلى هذا فالكتاب هو: مجموعة المواضيع التي أوحيت إلى سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من الله جلّ في علاه في النصّ والمحتوى، والتي تؤلّف في مجموعها كلّ آيات المصحف الشريف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.

عن تفسير الميسر: قوله تقدست أسماؤه “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ” ﴿فصلت 44﴾ قرآنا أعجميـّـا: بـِـلغَة العجَم كما اقترحوا. ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزلناه عليك -أيها الرسول- أعجميًا، لقال المشركون: هلا بُيِّنتْ آياته، فنفقهه ونعلمه، أأعجمي هذا القرآن، ولسان الذي أنزل عليه عربي؟ هذا لا يكون. قل لهم أيها الرسول: هذا القرآن للذين آمنوا بالله ورسوله هدى من الضلالة، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والأمراض، والذين لا يؤمنون بالقرآن في آذانهم صمم من سماعه وتدبره، وهو على قلوبهم عَمًى، فلا يهتدون به، أولئك المشركون كمن يُنادى، وهو في مكان بعيد لا يسمع داعيًا، ولا يجيب مناديًا. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تقدست أسماؤه “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ” قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ” (فصلت 44) “ولو جعلناه” أي الذكر “قراناً أعجميا لقالوا لولا” هلا “فصلت” بينت “آياته” حتى نفهمها “أ” قرآن “اعجمي و” نبي “عربي” استفهام إنكار منهم بتحقيق الهمزة الثانية وقلبها ألفا بإشباع، ودونه “قل هو للذين آمنوا هدى” من الضلالة “وشفاء” من الجهل “والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر” ثقل فلا يسمعونه “وهو عليهم عمى” فلا يفهمونه “أولئك ينادون من مكان بعيد” أي هم كالمنادى من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به.

جاء في ملتقى الخطباء عن إضاءات للأئمة حول الوقف والابتداء في القرآن الكريم للشيخ عبدالرحمن بن إبراهيم العليان: الوقف والابتداء وسط الآية الواحدة، وهذا القسم الكلام عليه أكثر، ذلك أنه أكثر ما يعنى في تقسيمات العلماء حين قسموا الوقف إلى تام وكاف وحسن وقبيح، ونحو ذلك من التقسيمات، وهو أيضا أكثر إهمالا من القسم الأول، وفي الوقت ذاته يجري فيه ضد الإهمال من الإفراط والتكلف. فتجد بعض الأئمة – وفقهم الله – لا يلقي للوقوف من هذا النوع أيّ بال، بل يقف حيث ساعده النفس، ويكمل من حيث وقف، ويترك الوقف التام والكافي، فلا يقف عندها ثم يقف وقفا قبيحا، كأن يقول: (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى) (الأنعام 36)، ثم ربما يعيد، وإعادته أمر حسن، ولكن تركه للوقف عند المعنى التام عند (يسمعون)، ووقفه حيث يفيد معنى قبيحا هو فعل عن الصواب بمعزل. وهناك بعض الأئمة هداهم الله ربما تعدوا في الوقف وغلوا في تكلف المعاني التي لا يدل عليها السياق، ولا تساعد عليها اللغة، بل تردها ردا بينا، وهؤلاء بلا شكّ من غير العارفين بتفسير ولا لغة، وليتهم أدركوا هذا فقلدوا غيرهم من القراء المعتبرين، أو التزموا بعلامات الوقف في المصحف الشريف، وذلك مثل قراءة أحدهم لقوله تعالى: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه) (القصص 9)، فقرأها: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا)، ولا شك أن هذا غلط، لم ينتبه فاعله إلى حقيقته، وسيأتي بيانه إن شاء الله. قال الله جل جلاله “وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ (ج: جواز الوقف) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا (م: لزوم الوقف) اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ” (الأعراف 148)، “وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ (صلى: الوصل اولى مع جواز الوقف) وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ (ج: جواز الوقف) قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (الأعراف 159)، “إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (ج: جواز الوقف) وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ” (الأعراف 152)،