الذين أفسدوا عليه عفويته

رياض سعد

عاش سنواته الأولى خفيفَ الرأس،

يمرّ بالحياة كما تمرّ ورقةٌ يابسة فوق نهرٍ كسول،

لا يُرهق قلبه بسؤال،

ولا يُتعب عقله بمآلات الأشياء والأمور.

كان يترك أيّامه سائبةً،

كأنّ القدر راعٍ قديم يعرف الطريق أكثر منه،

يمضي أيامه مسترخِيًا على هامش الحياة،

مُرخِيًا الحبل على الغارب،

وكان يسمّي ذلك توكّلًا،

بينما كان الآخرون يرونه هروبًا مقنعًا من مسؤولية الوعي.

وحين تكاثر العاتبون حوله،

أقنعوه بأنّ الإنسان لا ينجو بعفويته،

وأنّ النجاة تحتاج عقلًا متيقظًا،

وحذرًا يُشبه الارتياب،

وتفكيرًا يسبق الخطوة بألف خطوة.

ومنذ ذلك اليوم،

أصيب بلعنة التفكير.

صار يُشرّح الكلمة قبل أن يقولها،

ويُفتّش في وجوه الناس عن النوايا المختبئة خلف العيون،

ويضع لكلّ احتمالٍ قبرًا مفتوحًا في رأسه.

حتى غدت الحياة عنده مشروعَ خسارةٍ مؤجّلة.

والمفارقة التي مزّقته من الداخل،

أنّ أخطاءه القديمة كانت بسيطةً وعابرة،

أما أخطاؤه الجديدة،

فكانت تولد بعد ليالٍ طويلة من التأمل والتدبير والخوف.

شيئًا فشيئًا،

اكتشف أنّ الإنسان حين يُفرط في التفكير،

لا يعود يرى الحياة كما هي،

بل كما يخشى أن تكون.

وعندما ضاقت به خرائب الحذر،

التفت إلى الذين أيقظوا عقله ذات يوم،

وقال بمرارة رجلٍ اكتشف متأخرًا أنّ الوعي قد يكون عقوبة:

“كنتم تظنون أن الجهل هاوية…

لكنكم لم تخبروني أن بعض الوعي حفرةٌ بلا قاع،

وأنّ الإنسان أحيانًا يموت

ليس من قلّة التدبير…

بل من فرط  التفكير .”