ملالي أنهكهم الكذب والنفاق
حين يصبح الكذب وسيلة للحكم، ويتحول النفاق إلى ثقافة سياسية، لا تعود السلطة قادرة على إخفاء التناقض بين أقوالها وأفعالها مهما امتلكت من أدوات إعلامية أو نفوذ. وهذا ما يراه كثير من المنتقدين في تجربة ملالي إيران، وفي امتدادات نفوذ الجماعات والأحزاب الدينية الموالية لها في العراق، حيث يعتبرون أن الخطاب الذي يرفع رايات العدالة والإصلاح ومقاومة الفساد اصطدم بواقع يراه هؤلاء مختلفًا، اتسم بالأزمات الاقتصادية والسياسية، وتراجع الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
يرى منتقدو هذه التيارات أن الكذب لم يعد مجرد وسيلة لتبرير الإخفاق، بل أصبح نهجًا متكررًا لإعادة صياغة الوقائع بما يخدم بقاء السلطة والنفوذ. فكل أزمة تُفسَّر بأنها مؤامرة، وكل احتجاج يُقدَّم على أنه مشروع خارجي، وكل فشل يُغلَّف بخطابات الانتصار، حتى أصبح الاعتراف بالخطأ نادرًا، وكأن الحقيقة تمثل تهديدًا أكبر من الأزمة نفسها.
وفي العراق، يوجّه منتقدون نقدًا مماثلًا لبعض القوى والفصائل المرتبطة بإيران، معتبرين أنها رفعت شعارات بناء الدولة وحماية السيادة ومحاربة الفساد، بينما بقي المواطن يواجه تحديات تتعلق بالخدمات والبطالة والفساد وضعف مؤسسات الدولة. ويرى هؤلاء أن التناقض بين الشعارات والممارسات أسهم في اتساع فجوة الثقة بين الشارع والطبقة السياسية.
ويعتبر النقاد أن أخطر ما في هذا النهج هو توظيف الدين في الصراع السياسي، لأن الدين، في نظرهم، يصبح غطاءً لقرارات بشرية قابلة للنقد والمساءلة. وعندما يُقدَّم الاعتراض على السياسات وكأنه اعتراض على العقيدة، تضيق مساحة الحوار، ويُستبدل النقاش بالتخوين، وتُصبح المساءلة تهمة بدلًا من أن تكون حقًا للمواطن.
إن السلطة التي تعتمد على الدعاية أكثر من اعتمادها على الإنجاز، وعلى الشعارات أكثر من اعتمادها على الإصلاح، قد تنجح في كسب الوقت، لكنها لا تستطيع كسب ثقة الناس إلى الأبد. فالمواطن يقيس الحكومات بما يراه في حياته اليومية، لا بما يسمعه في الخطب والبيانات. وحين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، تصبح المصداقية أولى ضحايا الكذب، ويغدو النفاق السياسي عبئًا ينهك أصحابه قبل أن ينهك الشعوب.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن أي سلطة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع الاستمرار طويلًا إذا جعلت من الكذب سياسة، ومن النفاق منهجًا، ومن احتكار الحقيقة عقيدة. فالدول تُبنى بالشفافية والعدالة وسيادة القانون، لا بالخوف ولا بتقديس السلطة. ومن يرفض مراجعة أخطائه، يفتح الباب أمام تكرارها، حتى تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها، ويصبح الثمن الذي يدفعه الوطن والمواطن أكبر بكثير من ثمن الاعتراف بالحقيقة.
علي جاسم ياسين