بمناسبة اصدار مصحف النجف الأشرف (ان هو الا ذكر وقرآن مبين) (ح 21)

د. فاضل حسن شريف

جاء في شفقنا عن متولي العتبة العباسية: مصحف النجف الأشرف ثمرة جهود علمية وعمل جماعي استمرّ لسنوات: أكّد المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أنّ مصحف النجف الأشرف ثمرة جهودٍ علميّة دقيقة وعملٍ جماعيّ متواصل استمرّ لسنوات. لما ذكرنا في البدء من ميزة النجف الأشرف وأهمّيتها كعاصمةٍ فكرية، حيث إنّنا بعد سنة إن شاء الله تعالى نحتفل بمرور ألف عام على عمر حوزة هذه المدينة العلميّة، والحاضرة المرموقة على مدار التاريخ، سائلين الله تبارك وتعالى أن يحظى هذا العمل بالقبول من إمام زماننا، الثقل الآخر، وهو الإمام المهديّ صلوات الله وسلامه عليه، ومن الذوات المحترمة ممّن يهمّنا أن نسمع آراءَهم سائلين الله تعالى التوفيق للجميع. وأشكر الإخوة جميعًا الحضور المميّز والكبير في هذا اليوم الذي جعلناه تيمّنًا بالمناسبة. طبعًا كانت فكرة الإعلان أن يكون في ليلة السابع عشر من شهر رمضان المنصرم، لكن الظروف التي حلّت بالمنطقة جعلتنا نؤجّل الأمر، والحمد لله على توفيقه، فلم نوفّق لإطلاق المُنجَز في مناسبة معركة بدر، ولا ليالي القدر، لكن اليوم وُفّقنا في ولادة الإمام الرضا سلام الله عليه، سائلين الله تعالى أن يرفع هذه الغمّة عن هذه الأمّة، وأن يطيل في أعمار علمائنا الأفاضل الأكارم، ويوفّق المشتغلين دائمًا للعلم والعمل وأن يحفظ بلادنا من كلّ سوء. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.

وعن تفسير الميسر: قوله عظمت بركاته “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ” ﴿يس 69﴾ وما علَّمنا رسولنا محمدًا الشعر، وما ينبغي له أن يكون شاعرًا، ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب، وقرآن بيِّن الدلالة على الحق والباطل، واضحة أحكامه وحِكَمه ومواعظه؛ لينذر مَن كان حيَّ القلب مستنير البصيرة، ويحق العذاب على الكافرين بالله؛ لأنهم قامت عليهم بالقرآن حجة الله البالغة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عظمت بركاته “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ” (يس 69) “وما علمناه” أي النبي “الشعر” رد لقولهم إن ما أتى به من القرآن شعر “وما ينبغي” يسهل “له” الشعر “إن هو” ليس الذي أتى به “إلا ذكر” عظة “وقرآن مبين” مظهر للأحكام وغيرها.

جاء في كتاب علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: ولمعرفة أسباب النزولأثر كبير في فهم الآية وتعرف اسرار التعبير فيها، لان النص القرآني المرتبط بسبب معينللنزول تجئ صياغته وطريقة التعبير فيه وفقا لما يقتضيه ذلك السبب، فما لم يعرف ويحددقد تبقى أسرار الصياغة والتعبير غامضة عنه، ومثال ذلك قوله تعالى: “إِنَّ الصَّفَاوَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَشَاكِرٌ عَلِيمٌ” (البقرة 158) فان الآية ركزت على نفي الاثم والحرمة عن السعيبين الصفا والمروة دون أن تصرح بوجوب ذلك، فلماذا اكتفت بنفي الحرمة دون أن تعلن وجوبالسعي؟ إن الجواب عن هذا السؤال يمكن معرفته عن طريق ما ورد في سبب نزول الآية من أنبعض الصحابة تأثموا من السعي بين الصفا والمروة، لأنه من عمل الجاهلية فنزلت الآيةالكريمة، فهي إذن بصدد نفي هذه الفكرة من أذهان الصحابة والاعلان عن أن الصفا والمروةمن شعائر الله، وليس السعي بينهما من مختلقات الجاهلية ومفترياتها. وقد أدى الجهل بمعرفةسبب النزول في هذه الآية عند بعضهم إلى فهم خاطئ في تفسيرها. إذ اعتبر اتجاه الآية نحو نفي الإثم بدلا من التصريح بالوجوب دليلا على أن السعي ليس واجبا وانما هوأمر سائغ، إذ لو كان واجبا لكان الأجدر بالآية أن تعلن وجوبه بدلا من مجرد نفي الاثم،ولو كان هذا يعلم سبب النزول والهدف المباشر الذي نزلت الآية لتحقيقه، وهو إزالة فكرةالتأثم من أذهان الصحابة لعرف السر في طريقة التعبير، والسبب في اتجاه الآية نحو نفيالإثم والتركيز على ذلك.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عظمت بركاته “وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ” ﴿يس 69﴾ قوله تعالى: “وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين” ﴿يس 69﴾ عطف ورجوع إلى ما تقدم في صدر السورة من تصديق رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وكون كتابه تنزيلا من عنده تعالى. فقوله: “وما علمناه الشعر” نفى أن يكون علمه الشعر ولازمه أن يكون بحيث لا يحسن قول الشعر لا أن يحسنه ويمتنع من قوله للنهي من الله متوجه إليه، ولا أن النازل من القرآن ليس بشعر وإن أمكنه صلى الله عليه وآله وسلّم أن يقوله. وبه يظهر أن قوله: “وما ينبغي له” في مقام الامتنان عليه بأنه نزهه عن أن يقول شعرا فالجملة في مقام دفع الدخل والمحصل أن عدم تعليمنا إياه الشعر ليس يوجب نقصا فيه ولا أنه تعجيز له بل لرفع درجته وتنزيه ساحته عما يتعاوره العارف بصناعة الشعر فيقع في معرض تزيين المعاني بالتخيلات الشعرية الكاذبة التي كلما أمعن فيها كان الكلام أوقع في النفس، وتنظيم الكلام بأوزان موسيقية ليكون أوقع في السمع، فلا ينبغي له صلى الله عليه وآله وسلّم أن يقول الشعر وهو رسول من الله وآية رسالته ومتن دعوته القرآن المعجز في بيانه الذي هو ذكر وقرآن مبين. وقوله: “إن هو إلا ذكر وقرآن مبين” ﴿يس 69﴾ تفسير وتوضيح لقوله: “وما علمناه الشعر وما ينبغي له”” ﴿يس 69﴾ بما أن لازم معناه أن القرآن ليس بشعر فالحصر المستفاد من قوله: “إن هو إلا ذكر” ﴿يس 69﴾ إلخ من قصر القلب والمعنى ليس هو بشعر ما هو إلا ذكر وقرآن مبين. ومعنى كونه ذكرا وقرآنا أنه ذكر مقروء من الله ظاهر ذلك.

الوقف الاختياري ذو العلامة (ج) هو أنيقف القارئُ على كلام تام متعلق بما بعده في المعنى دون اللفظ. وعادة يكون غير متعلقمعه من ناحية الإعراب. علامة الوقف الجائز جوازًا في الوقفَ والوصل، ليس هناك أولويةبينهما، والافضل للذي لا يعرف تفسير الآيات التي يقرأها أن يلتزم بعلامات الوقف الموجودة بالمصحف. الوقف الاختياري يسمى ايضا الوقف الحسن لانه يؤدي المعنى الذي يحسن الوقفعنده. وقيل (من لم يعرف الوقف لم يعرف القرآن). قال الله تعالى “وَلَمَّا جَاءَمُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ(ج: جواز الوقف) قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّمَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (ج: جواز الوقف) فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِجَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا (ج: جواز الوقف) فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَتُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ” (الأعراف 143)، “وَكَتَبْنَالَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَابِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا (ج: جواز الوقف) سَأُرِيكُمْدَارَ الْفَاسِقِينَ” (الأعراف 145)، “سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَيَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوابِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (ج: جواز الوقف)وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوابِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ” (الأعراف 146)، “وَالَّذِينَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ (ج: جواز الوقف)هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” (الأعراف 147).