ابن الجنوب في الدراما العراقية

صباح رحيمة

كانت الشخصية الجنوبية ولازالت القاسم المشترك لجميع الاعمال الدرامية التي تتناول حياة الريف او حتى لو تناولت حياة في المريخ وبقدرة قادر وصل احد ابناء الريف

الى هناك او زج به قسرا فهو لم يكن ولن يكون الا ملح العمل الدرامي لاثارة الضحك والاستهجان والسخرية منه ومن افعاه واقواله عبر عقود من الزمن في ما قدمته الدراما العراقية بدءا بالمسرح العراقي وانتهاءا بالتلفزيون عبر الاذاعة والسينما ايضا .

فلم ولن تقدم هذه الشخصية الا في بلاهتها وسذاجتها بل وغباءها من اجل اثارة الضحك والتمتع بقهقهات المشاهدين وهو الهدف الذي يضعه القائمين على انتاج هذه الاعمال بغض النظر عن البناء او الحبكة او التنامي او التبرير (وهذا الخرط) لان اكثرها ينفذ بالاعتماد على الذين يقومون بتشخيص هذه الشخصيات بعيدا عن كل ما يمت للبناء الدرامي وقواعد هذا البناء من صلة بدون نص مكتوب مسبقا او خاضع للرقابة العلمية الامينة (لانه بالتاكيد حسب طلب الجهة المنتجة وبعلمها) فاثارة الضحك والتهجن والاسفاف امر مطلوب لاشباع حاجة المتلقي من الضحك والتهكم بل واشباع غريزة الفوقية والتشفي عند هذا المتلقي والكثير منهم ينحدرون من هذه البيئة وهم ما يضحكون ويقهقهون الا على اهليهم وانفسهم علموا ام لم يعلموا وهذه هي الاشكالية التي لم يتدخل في حلها اي طرف بالرغم من كثرة الاصوات التي تطالب بالتدخل واحترام هذه الشريحة العريضة والمهمة من هذا البلد وبحجج وتبريرات واهية لا تصمد امام الحقيقة .

هذه المواقف التهريجية والتحريضية بعض الاحيان لابقاء هذه الشخصية بهذه الصورة قدمت من خلال الكثير من المسرحيات العراقية وفي مختلف محافظاتنا ومن العديد من الفرق المسرحية بل وراحت هذه الفرق تتنافس فيما بينها لتقديم الاسوء والانكى والادهى ان الذين يقومون بتجسيد الادوار هذه يتنافسون ايضا داخل ذلك التنافس لتقديم ماهو اسوء اكثر لكي يثير حفيظة المقهقهين ويكسب تصفيقهم بل وهم يتنازعون فيما بينهم عن (القفشة) لانها تسجل (براءة اختراع) لقائلها او فاعلها واذا تجرأ واحد اخر من نفس المسرحية او في مسرحية غيرها فقد ناله من التوبيخ والزعل ما ناله ولو بعد حين .

وابن الجنوب هذا لايبارح مربعه هذا حتى لو نفخ في صورته ولبس سدارة او طربوش وارتدى كربته لان في ذلك حتما اشارة الى انه ليس جديرا بهذا الزي فلابد وان يكون البنطال عريضا مثلا او تكون السترة قصيرة او انه لا يستطيع المشي لانه قد احتذى وهكذا فان كلامه واسلوبه في الكلام وحركاته لا تنم الا على تخلفه وعدم انسجامه مع الواقع حتى لو جاء في مواقف فيها ذكاء وفطنه فانها لاتقدم الا بطريقة مثيرة للضحك والاستخفاف لانها لا تصدر من وعي منه بل هي حكمة من معتوه كما قدمها الفنان البصري الراحل (علي الاطرش) في مسرحية (الغراب) وغيرها ومسرحية (قصر الشيخ) للكاتب الكبير صباح عطوان واخراج بدري حسون فريد ومسرحية (المحطة) لنفس الكاتب وغيرها .

وبعد دخولنا في عصر الهزي ياوز في التسعينات من القرن المنصرم وهو العصر التنكي لتلك الفرق في تزايد اعدادها وانتشار اعضاءها وتزاحمهم على مكاتبها بعد الحملة الايمائية (الايمانية) لتكون ظاهرة انتشار الفرق المسرحية مثل ظاهرة محلات الفلافل ليس لها عدد وراح رواد الملاهي يكركرون بعد ان يسكرون على هذه النماذج (احدهم اتصل بصديق له بحضوري قائلا له : عليها اليوم نروح نضحك على ……..با لمسرحية مالته) وصار لهذا المد الثقافي الجديد نجوم ومناصرين وجمهور يتدافع ويدفع لكي يحصل على تذكرة دخول على حساب اهلنا في الجنوب في تقديم نماذج لم يقدم اسوء منها على مدى تاريخ المسرح العراقي (اذا افترضنا ان هذه مسرحيات) وصارت هذه العروض امرا واقعا مسلما به دون حسيب او رقيب ان لم نقل تحت ومراى المشجعين والداعين الى انتشاره لغايات متعددة . وانسحب هذا في الاذاعة بعد ان قدمت الاذاعة روائع من تمثيليات ومسلسلات مثل (وردة وبدر) او (غيدة وحمد) بالرغم من تقدمها الكبير عن ما قدم لاحقا او البرامج مثل (حديث ابو سباهي) وغيرها . ولم تسلم الافلام السينمائية ايضا من هذا التوجه كفلم (حمد وحمود) وما سبقه من افلام .

والحديث الهام هو ما قدمته الدراما التلفزيونية من اعمال ابتداءا (قيس وليلى في الريف) الى (ماضي ياماضي).