رياض سعد
في المجتمعات الحية يُعدّ الاختلاف دليلاً على الحيوية الفكرية، وعلامة على وجود عقول تفكر وتسأل وتراجع المسلمات… ؛ أما في المجتمعات التي تهيمن عليها العصبيات السياسية أو الدينية أو الاجتماعية، فإن الاختلاف يتحول إلى تهمة، والنقد يصبح جريمة، ويغدو صاحب الرأي المخالف هدفاً لحملات التشويه والتسقيط والاغتيال المعنوي.
لقد أصبح من المثير للاستغراب أن يسود في ساحاتنا الفكرية والإعلامية منهج غريب وخطير مفاده: إذا اختلفت مع شخص ما، فلا تناقش فكرته، بل ابحث عن طريقة لتشويه صورته… ؛ فبمجرد أن ينتقد أحدهم مسؤولاً أو رجل دين أو مؤسسة سياسية أو دينية، تنطلق الاتهامات الجاهزة: عميل، مأجور، مدعوم من الخارج، صاحب أجندة مشبوهة، أو جزء من مؤامرة تستهدف الأمة أو الدين أو الوطن.
هذه ليست ظاهرة جديدة، بل هي أساليب قديمة مارستها الأنظمة الشمولية والأحزاب العقائدية المغلقة عبر التاريخ… ؛ فقد اعتادت السلطات الاستبدادية أن تلصق بالمعارضين تهم الخيانة والارتباط بالخارج والتخابر مع الأعداء، ليس لأنها تمتلك أدلة حقيقية، بل لأنها تعجز عن مواجهة الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة.. , فحين يضعف المنطق، تبدأ حملة التخوين، وحين تغيب الأدلة، يحضر الاغتيال المعنوي.
والمفارقة المؤلمة أن بعض الذين عانوا في الماضي من هذه الأساليب القمعية أصبحوا يمارسونها اليوم ضد غيرهم… ؛ وكأن الضحية تحولت إلى نسخة من جلادها، وكأن التجربة لم تنتج وعياً جديداً بل أعادت إنتاج الأدوات نفسها بوجوه مختلفة… ؛ وهنا يكمن الخلل الأخلاقي العميق؛ لأن الظلم لا يصبح عدلاً بمجرد انتقاله من يد إلى أخرى.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تخلق ثقافة قطيع لا تسمح بوجود رأي مستقل… ؛ فإما أن تتفق معي بشكل كامل، وإما أن يكون مصيرك التشهير وتدمير السمعة وشن حرب إعلامية وإلكترونية ضدك… , وبدلاً من أن تكون منصات التواصل فضاءً للحوار، تتحول إلى ساحات إعدام معنوي تديرها جيوش إلكترونية مهمتها إسكات الأصوات المخالفة وتخويف الآخرين من مجرد التفكير خارج الحدود المرسومة.
ومن الناحية النفسية، تكشف هذه الممارسات عن حالة من الهشاشة الفكرية وعدم الثقة بالذات… ؛ فالفكرة الواثقة من نفسها لا تخشى النقد، والعقيدة الراسخة لا ترتعب من السؤال، والمشروع السياسي القوي لا يخاف من المعارضين.. , أما حين يصبح الرأي المختلف خطراً وجودياً، فذلك دليل على أن الأزمة كامنة في بنية التفكير نفسها، لا في كلام الناقد أو المعترض.
أما اجتماعياً، فإن ثقافة التسقيط تؤدي إلى قتل روح الحوار وإشاعة الخوف بين الناس… ؛ فيتعلم الأفراد الصمت بدلاً من التعبير، والمجاملة بدلاً من الصراحة، والتملق بدلاً من النقد… ؛ ومع مرور الزمن تتشكل بيئة اجتماعية منافقة، يخفي فيها الجميع آراءهم الحقيقية خشية النبذ أو العقاب المعنوي، فتتراكم الأخطاء وتتعطل عمليات المراجعة والتصحيح.
وسياسياً، تمثل هذه الثقافة إحدى أدوات إنتاج الاستبداد… ؛ فكل سلطة تريد أن تبقى فوق المساءلة تحتاج إلى صناعة خطوط حمراء مقدسة لا يجوز الاقتراب منها… ؛ وحين يصبح المسؤول أو الزعيم أو رجل الدين فوق النقد، فإن المجتمع يكون قد انتقل من مرحلة المواطنة إلى مرحلة التقديس، ومن فضاء السياسة إلى فضاء الطاعة العمياء.
إن القضية الجوهرية هنا ليست الاتفاق أو الاختلاف مع أي شخصية أو مؤسسة، بل احترام حق الإنسان في التعبير عن رأيه… ؛ فهناك مسائل خلافية بطبيعتها، وموضوعات تحتمل أكثر من رأي وتفسير.
فلماذا يتحول النقاش من مناقشة الفكرة إلى التنقيب في حياة صاحبها؟!
ولماذا يتم الحديث عن دوافعه ونواياه وخصوصياته بدلاً من الرد على ما طرحه من أفكار ؟ّ!
وما علاقة عمله أو شهرته أو ظهوره الإعلامي أو علاقاته الشخصية أو سلوكه الشخصي او خصوصيات عائلته بالموضوع محل النقاش؟!
إن الشخصنة ليست دليلاً على قوة الموقف، بل اعتراف ضمني بالعجز عن مواجهة الحجة… ؛ وحين يعجز المرء عن دحض الفكرة، يلجأ إلى الطعن في صاحبها… ؛ ولهذا فإن المجتمعات المتقدمة تقيس قيمة الآراء بما تحمله من أدلة ومنطق، لا بهوية أصحابها أو مكانتهم الاجتماعية.
لقد أدرك المفكرون والعلماء منذ زمن بعيد أن الفكر لا يهزم إلا بالفكر… ؛ وكما كان يؤكد البعض: «الفكر ليس بغير فكر يُقرع»… ؛ فالحجة تواجه بالحجة، والدليل بالدليل، والبرهان بالبرهان… ؛ أما الشتائم والتخوين والتسقيط فلا تنتج معرفة، ولا تبني مجتمعاً، ولا تثبت صحة قضية.
إن المستقبل لا يُبنى بعقول تخشى السؤال، ولا بأصوات ترتعد من النقد، ولا بجيوش إلكترونية تمارس الإرهاب المعنوي باسم الدفاع عن المقدسات أو الرموز… ؛ المستقبل يبنى بمجتمع يؤمن بأن الاختلاف حق، وأن النقد ضرورة، وأن الحقيقة لا تخاف الحوار.
فحين تصبح حرية الرأي خطاً أحمر، يصبح الجهل هو الحاكم الحقيقي… ؛ وحين يتحول النقد إلى تهمة، تتحول المجتمعات إلى سجون كبيرة لا جدران لها… ؛ أما حين ينتصر الحوار على التخوين، والفكرة على الشتيمة، والعقل على العصبية، فهناك فقط تبدأ الأمم طريقها نحو النضج والحرية والتقدم.