*الولاية: سرّ العزة الذي غُيّب*
دينا الرميمة
*متى كانت آخر مرة سمعتِ فيها عن يوم الغدير إلا في همس خافت؟*
كيف لذكرى إكمال الدين وإتمام النعمة أن تُدفن تحت مسمى “بدعة” و”غلو”؟
حين أُسقطت الولاية من ذاكرة الأمة، لم نفقد مجرد ذكرى…
بل فقدنا سرّ العزة، والمفتاح الذي كان يحفظ وحدتنا وقوتنا.
من يقرأ التاريخ الإسلامي سيجد الكثير من الأحداث والمناسبات الدينية التي كان لها أثر عظيم في واقع الأمة، وبإمكانها أن تضبط عجلة التاريخ فتزيل الغشاوة عن القلوب وتعيد للأمة مجدها المسروق إذا ما تم إحياؤها في أنفسنا وواقعنا.
إلا أننا إذا ما أتينا لنبحث عنها في الواقع، نجد أنها غائبة أو مهمشة. وهذا يؤكد بما لا يدعو للشك أن مثل هذه المناسبات قد غُيّبت تغييبًا مدروسًا، تارة بوصفها بدعة، وتارة أخرى بتكفير كل من يحيها، لفصل الأمة عن دينها وجعلها لاهثة وراء مناسبات ما أنزل الله بها من سلطان. وبهذا وصلت الأمة إلى واقع مظلم تملأه المآسي والحروب، نتيجة مواقفها الهشة أمام ما تتعرض له من محاولات ممنهجة لاستهداف دينها ووحدتها وقوتها من أعداء الله ورسوله.
وهذا يؤكد أنها تلك الأمة التي حدّث النبي الكريم ﷺ أصحابه عنها حين قال:
«يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها».
فقالوا: أمن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟
قال: «بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يُنزع الوهن من قلوب عدوكم، ويوضع في قلوبكم الوهن».
وإذا ما بحثنا عن الأسباب التي جعلت الأعداء يتجرأون على تاريخنا الديني، سنجد أنه لم يأتِ إلا نتيجة الانحراف الذي وقعت به الأمة عن الدين الإسلامي. وهذا الانحراف ليس وليد اللحظة، إنما وقعت فيه منذ اللحظة التي أغمض فيها النبي الكريم عينيه عن الدنيا، وانتقلت روحه إلى الرفيق الأعلى، تاركاً أمته على المحجة البيضاء، في ظل دولة إسلامية ينظر لها الجميع بعين الهيبة. وقد وكّل أمرها من بعده إلى الإمام علي عليه السلام ليكمل المسيرة، بعد أن بيّن ذلك الأمر لأمته في غدير خم بعد عودته من حجة الوداع.
لم يكن اختيار النبي الكريم للإمام علي اختيارًا شخصيًا كما قد يظن البعض من باب القرابة، كونه ابن عمه وزوج ابنته، بل كان اختيارًا إلهيًا وأمرًا من رب العالمين للنبي الكريم بتبليغه إلى الأمة، استجابة لقوله تعالى:
_﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾_
[المائدة: 67]
فهذه الآية جاءت بأسلوب شديد يدل على أن المبلّغ أمر عظيم لا يقوم الدين بدونه. وبعدها نزل قوله تعالى:
_﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾_
[المائدة: 3]
فهذه الآية نزلت بعد تبليغ الأمر في يوم الغدير، فجعلت إكمال الدين وإتمام النعمة مرتبطين بإعلان الولاية. ولهذا سميت “آية الإكمال”.
وإذا جئنا إلى تعريف الولاية لغةً، فهي القرب، والدنو، والموالاة، والنصرة، والمحبة، أي القرب الروحي.
والولاية في الرؤية القرآنية ليست مشروع تسلط، بل مشروع هداية واستخلاف، يربط الإنسان بالله ورسوله والمؤمنين في مسار مستمر، كما جاء ذكرها في القرآن قوله تعالى:
_﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾_
[المائدة: 55]
نزلت هذه الآية في الإمام علي عليه السلام عندما تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة. وهي تبين أن الولاية بعد الله ورسوله تكون للمؤمنين المتصفين بهذه الصفة، وبمميزات أخرى تميز بها الإمام علي دون بقية صحابة رسول الله.
فهو من تربى في بيت النبوة وعلى يد رسول الله تربية تشرب فيها مكارم الأخلاق المحمدية كلها، وجسد فيه قيم ومبادئ الدين الحنيف نقية صافية كاملة دون تحريف أو نقصان. أخذ الحكمة والعلم من رسول الله حتى قال عنه النبي الكريم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها». فكان تقياً نقياً ذا بصيرة صافية وبلاغة وفصاحة دانت له اللغة بكلماتها ونحوها وبلاغتها.
وقد جاء ذكره في القرآن في آيات كثيرة وصفته بصالح المؤمنين، والشاهد على عظمة الإسلام ومبادئه، والرجل المؤهل لأن تؤتمن الأمة عنده وتحت رعايته. وكثيراً ما صرح النبي الكريم ﷺ بذلك في أقواله التي تبين مدى ارتباطه به والدور المنوط به، كقوله:
«أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».
وقوله في خيبر: «لأعطين الراية غداً لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وهي شهادة قاطعة على ما في صدر الإمام من حب لله ورسوله.
وقوله أيضاً: «علي مع الحق والحق مع علي»، لمواقفه الكثيرة في نصرة الحق ومحاربة الباطل والظلم.
كل هذا يؤكد أن النبي في غدير خم لم يرفع كفّاً لعليّ، بل رفع للتاريخ مناراً، وللعدالة ميزاناً، وللحق صوتاً.
غير أن الأمة، تحت اسم الشورى، خالفت أمر ربها بولاية الإمام علي، الذي بلغها به النبي الكريم وختمه بقوله: «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
فاستبدل النص الإلهي بالتدبير النفعي الشخصي، ومنه وُضع الأساس لكل المظالم التي تعيشها الأمة حتى اليوم. وهانحن نراها أمة كثيرة العدد، لكنها مصابة بالوهن كغثاء السيل الذي لا يُرجى منه خير، مع أنها تملك القرآن الذي هو أعظم سلاح، من شأنه أن يمنحها إيماناً وقوة تتحطم أمامها مكائد الأعداء، ويُذهب الخوف الذي زرعوه في أوساطها.
لكنها على حين غفلة ركنته جانباً بتخطيط من أعدائها، الذين عرفوا أثر الإيمان وأنه مصدر القوة الذي يفشل مخطاتهم، فسعوا لانتزاعه من واقعها لتبقى تائهة ترتجي منهم مواثيق سلام تمنحها الأمن والأمان، فأصبحت كالمستجير من الرمضاء بالنار، متجاهلة قول الله تعالى:
_﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾_
[البقرة: 105]
وهنا يصبح من الواجب علينا أن نعود إلى الولاية، ونحي ذكرها لتجديد البلاغ والولاء، فنحظى بالنصر «وانصر من نصره»، ونعيد للأمة وعيها بهويتها ومجدها، ونخرج من هذا الوهن إلى العزة التي كتبها الله لنا، لا كما أراد لنا أعداؤنا.
—
*#غدير_خم #الولاية #وعي_الأمة*