لقمان البرزنجي .. کاتب و صحفي .. المانيا
بين مطارق التحولات الجيوسياسية وسندان الازمات البنيوية المتراكمة، يظل السؤال الفلسفي والسياسي الأكثر إلحاحا , وترددا في الصالونات الفكرية والشوارع العراقية على حد سواء. هل ثمة بارقة امل تلوح في أفق بلاد الرافدين لخلاصها من ربقة المحن والويلات التي طوقت جيدها لعقود؟ وهل يمكن قراءة السلوك الأمريكي تجاه بغداد بمداد الصدق والتحالف الاستراتيجي ؟ ام انه لا يعدو كونه مناورة براغماتية محكومة بالمصالح الحيوية لواشنطن؟ هل تنتهي المخاض الأمل من رحم المعاناة؟ او هل ينهض السندباد مجدداا؟ إن الحديث عن خلاصة العراق من محنه ليس ضربا من الطوباوية (المثالية المفرطة) بل هو قراءة واستقراء لسنن التاريخ وطبيعة المجتمعات الحية. فالامل في الساحة العراقية اليوم لم يعد شعاراا عاطفيا، بل هو حراك كامن ينبثق من عدة مرتكزات بنيوية منها . الوعي المجتمعي المتنامي لان المخاض العسير الذي مر به الشعب العراقي عبر الجيال أنتج جيلاً شاباً يمتلك وعياً سياسياً عابراً للانتماءات الفرعية الضيقة. هذا الوعي يتجلى في رفض قوالب المحاصصة والمطالبة بدولة المواطنة والمؤسسات. ولابد الاشراة الی نقطة مهمة و هي حتمية الاستقرار الاقتصادي قبل کلشء . لان العراق يمتلک من الموارد البشرية والقدرات المادية والطبيعية، لاسيما الثروات النفطية والموقع الاستراتيجي، ما يجعله قادرا على التعافي السريع إذا ما توفرت الإرادة السياسية الناجزة لإدارة عجلة التنمية المستدامة ولجم منافذ الفساد المالي والإداري. ثم الاستدارة نحو العمق الإقليمي والعربي . فعلا بدأت الدبلوماسية العراقية في السنوات الأخيرة تلعب دور الجسر والوسيط، بدلا من كونها ساحة لتصفية الحسابات. هذا التوازن الخارجي يمنح الدولة هوامش أوسع لفرض سيادتها وتقليل التدخلات السلبية.ومع ذلك فان هذا الأمل يظل مشروطا بقدرة القوى السياسية النافذة على تقديم التنازلات التاريخية لصالح المصلحة الوطنية العليا، والانتقال بالدولة من مفهوم المكونات إلى مفهوم المواطنة الكاملة. اما بالنسبة للجدلية الامريکية و مصداقيتها او براغمتيتها .في تفكيك المعضلة الثانية المتعلقة بطبيعة النوايا والسياسات الأمريكية تجاه العراق، يجب مغادرة المصطلحات العاطفية مثل الصدق أو الخيانة في عالم العلاقات الدولية، واستبدالها بمصطلحات اكثر دقة وعلمية مثل المصالح الحيوية والواقعية السياسية.امریکا، كقوة عظمى، لا تتحرك في سياستها الخارجية بدافع العواطف الانسانية المحضة أو الرغبة المجردة في بناء ديمقراطيات مثالية، بل تتحرك وفق شبكة معقدة من التوازنات الاستراتيجية . کمنضور التوازن الإقليمي ومكافحة الإرهاب ترى واشنطن في العراق ركيزة أساسية لمنع تمدد التنظيمات المتطرفة مثل داعش ومثيلاتها، وحفظ حد ادنى من توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط في مواجهة النفوذ الإقليمي لخصومها. من هذا المنطلق، فإن صدق الدعم الأمريكي في مجالات التدريب العسكري والمعلوماتي ينبع من رغبتها في عدم انهيار الدولة العراقية، لأن هذا الانهيار سيعني كارثة امنية تمس الأمن القومي الأمريكي ومصالح حلفائها.يمثل أمن الطاقة والممرات المائية مصالح عليا لا يمكن لواشنطن التغاضي عنها. وبالتالي، فإن بقاء العراق في منظومة الاقتصاد العالمي كمنتج رئيسي للنفط يعد أمراً حيوياً للسياسة الأمريكية. علينا ان ندرک بان امريکا ليست معنية بالضرورة بتفاصيل الرفاهية الاجتماعية للعراقيين ، او بتغيير المنظومة السياسية التي تخدم استقراراً نسبيا يخدم مصالحها. السياسة الأمريكية تجاه بغداد هي سياسة إدارة الأزمات وليس حل الأزمات بشكل جذري.خلاصة القول العراق لا يمكن ان ياتي بـترياق أمريكي، ولا بـوصفة إقليمية جاهزة. إن مفاتيح فك القيود تكمن في الداخل العراقي حصرا فالدول لا تبنى بالنوايا الخارجية، بل بالإرادات الداخلية المنبثقة من عقيدة وطنية راسخة تومن بان سيادة الاوطان وكرامة الشعوب لا توهب، بل تنتزع بصناعة دولة المؤسسات والقانون. بارقة الأمل موجودة، لكنها بحاجة إلى سواعد وطنية تحولها من وميض عابر إلى ضياء دائم ينهي عهود الويلات والمحن،