حين يتكلم الحرف

رياض سعد

لم أقرأ كتابك؛ بل دخلته كما يدخل الدراويشُ حلماً لا باب له.

كان كلُّ حرفٍ فيه يقطر شعوراً مستتراً، كأنّه نجمةٌ ضلّت طريقها بين ظلمات الروح، وكلُّ كلمةٍ كانت تومئ إلى سرٍّ أقدم من الزمن، وتوشك أن تفتح في جدار الوجود نافذةً على المجهول.

وما إن بلغتُ الصفحة الأخيرة حتى سمعتُ ارتجافاً خفياً في أعماق الكائنات؛ كأنّ ملحمةً كونيةً بدأت تُتلى في صمت، فتزلزلت لها مرايا الأزمنة، واهتزّت أركان السرمدية.

عندها أدركتُ أن كتابك لم يكن كتاباً، بل بوابةً نسيها الخالق مفتوحةً بين الحرف والعدم، وأن القارئ لا يخرج منه كما دخله؛ إذ يترك وراءه اسمه القديم، ويعود محمّلاً بجرحٍ من نور.