نيابة عن الكل

نيابة عن الكل
كامل سلمان
واحدة من أغرب السلوكيات على وجه الأرض هو ظهور شخص في الإعلام يتحدث نيابة عن أربعين مليون نسمة دون أذن من أحد . هذه الحالة موجودة في العراق فقط عندما يتحدث أحدهم عن حالة فيوحي للأخرين بأن هذا رأي كل العراقيين ، فمثلاً في مرحلة النظام السابق هتف أحدهم ب ( كل العراق ينادي صدام عز بلادي ) من أين جاء بالتوكيل ليتحدث نيابة عن كل العراقيين أو الشخص الذي ظهر قبل أسابيع على شاشات التلفزة ليقول ( إيران تاج على رأس كل العراقيين ) من آين جاء بالتوكيل ليتحدث نيابة عن كل العراقيين . التحدث بالنيابة عن الأخرين دون تخويل منهم هو جهل وغرور واندفاع عاطفي وبنفس الوقت هو احتقار لرأي الأخرين وعدم المبالاة وكأن الدولة طابو صرف لفئة من المجتمع . طبعاً هذه الظاهرة في المجتمع العراقي موجودة عند غالبية الناس عن جهالة وحتى عند بعض مشايخ الدين الذين أعطوا التخويل لأنفسهم في التحدث نيابة عن الله فيدخلون هذا في الجنة وذاك في النار ، والأمثلة كثيرة عن هذه السلوكيات الغريبة في مجتمعاتنا ، ومنها أيضاً عندما يعشق أحدهم رمزاً من الرموز الدينية أو السياسية تجده في قرارة نفسه يعتقد بأن كل الناس مثله عاشقين لهذا الرمز أو حتى في علاقاته الاجتماعية إذا أعُجب بإنسان يظن بأن جميع الناس معجبين به وحتى في الطعام الذي يحبه يشعر بأن الناس مثله ، هذه بالحقيقة كارثة عقلية ونفسية أبتلينا بها وتدل على أن المجتمع بحاجة إلى إعادة تأهيل خاصة في مجتمع مثل المجتمع العراقي الذي فيه اختلافات في كل شيء ، فلو أفترضنا بأن أفضل الخصال وأجمل الصفات أجتمعت في قائد أو رمز أو جهة فأن هذا القائد رغم الخصال الطيبة التي أجتمعت فيه الا أنه لن ينال من العراقيين أكثر من عشرة بالمئة من الإعجاب في أحسن الأحوال نظراً للتنوع الفكري والديني والمذهبي والعرقي والقومي والعشائري والأخلاقي داخل هذا المجتمع المتناقض في كل شيء ، ولن يجتمعوا على رأي واحد مهما حرصنا ، وهذه مسألة طبيعية في مجتمع متنوع عقائدياً ودينياً ومذهبياً وفكرياً وتركيبياً وحتى في العادات والتقاليد ذات الجذور المختلفة ، مثل هذا الإنسان الذي يتحدث نيابة عن الكل كم يحتاج من الوقت ليتعلم بأن الناس ليسوا مثله ويتعلم بأنه لم يفهم بعد الاختلافات في التركيبة المجتمعية العراقية ، أكيد أنه يعيش في عالم ذاته ولا يعرف محيطه ، بهذه الحالة يحتاج إلى عملية مسح وتنظيف لكل الأفكار التي تربى عليها لعشرات السنين ثم تدريجياً يبدأ عملية بناء الأفكار الصحيحة التي تخوله أن يتحدث نيابة عن نفسه فقط ، حتى عائلته واولاده لهم رأيهم الخاص حسب مفاهيم الثقافة والمعرفة الحديثة . المشكلة أن هذه العقلية النيابية ليست محصورة عند الناس الجهلاء أو عند العوام بل تمتد إلى مسؤولي الدولة وتصل إلى قمة هرم الدولة أحياناً ، فما فرق ذاك الذي أعتبر كل العراقيين بعثيين وأن لم ينتموا لحزب البعث عن هذا الذي يضع قوانين للدولة لا تمثل إلا وجهة نظر فئة معينة . فهل أن قوانين دولتنا حالياً تصلح لجميع العراقيين ؟ أكيد لا ، لأن فيها من الإجحاف بحق طبقات واسعة من المجتمع تحت غطاء العرف الاجتماعي يتحملها المواطنون على مضض لأنهم لا حول ولا قوة لهم . عندما نعيش في دولة كمواطنين مشتركين بالحقوق والواجبات يجب أن تكون كل القوانين والتشريعات والأراء والمناسبات والشعارات الرسمية ليس فيها ضرر لأحد ومنافعها حاضرة للجميع عندها يشعر المواطن بقيمته داخل الوطن . تخلصنا من الحزب الواحد ثم دخلنا في مستنقع المعتقد الواحد وهذه من نتاجات السلطة الإيديولوجية التي كلما ابتعدنا عنها أعادونا إليها مرغمين . وأخيراً وللتذكير فأن النائب بالبرلمان مثلاً الذي يحمل تخويلاً من الناس لتمثيلهم والتحدث نيابة عنهم إنما تخويله أن يدافع عن حقوق الناس وتشريع القوانين التي تخدم مصالح الناس لا مصالح الحزب ولا مصالح دول أخرى لأن ذلك هو أصل العهد بين الناخب والمنتخب ، هكذا هي الدولة ..