من القومية إلى الشوفينية: رحلة الانتماء نحو الكراهية

رياض سعد

لم تكن القوى التي احتلت هذه المنطقة، قديمًا وحديثًا، تعتمد على التفوق العسكري وحده لضمان استمرار نفوذها، بل أدركت مبكرًا أن الاحتلال الحقيقي لا يكتمل إلا حين ينجح في احتلال الوعي، وتفكيك الروابط التي تجمع الناس، وتحويل التنوّع الطبيعي إلى لعنة سياسية واجتماعية… ؛  فالدول الغازية والاستعمارية لم تكتفِ برسم الحدود، بل أعادت رسم الخرائط النفسية والثقافية لشعوب المنطقة، وزرعت داخلها بذور الشك والكراهية والخوف المتبادل.

وقد وجدت هذه المشاريع الاستعمارية من يخدمها من داخل المجتمعات نفسها؛ أفرادًا ونخبًا ووكلاء انتموا إلى القوميات المستهدفة ذاتها، لكنهم جعلوا من الانتماء القومي أداة للتحريض والانقسام، لا وسيلة للتعارف والتكامل… ؛  وباسم الدفاع عن الحقوق القومية، جرى نسف أسس الوحدة الإنسانية والدينية والوطنية، حتى أصبح الجار خصمًا، والشريك في الوطن مشروع عدو، وتحولت الهويات الفرعية من عناصر غنى ثقافي إلى متاريس متقابلة.

يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال ما يمكن تسميته بـ”نظرية المحاور والصراع الهوياتي”، حيث تُدفع الجماعات المختلفة إلى الاصطفاف داخل محاور متصارعة تقوم على العرق أو القومية أو الطائفة، بدل أن تتأسس على المصالح الوطنية المشتركة والقيم الإنسانية الجامعة… ؛  وبدل أن يكون الاختلاف مصدرًا للإثراء الحضاري، يصبح وقودًا دائمًا للصراع.

إن القومية، بوصفها شعورًا بالانتماء إلى جماعة ثقافية وتاريخية ولغوية وعرقية واحدة ، ليست في ذاتها مشكلة أخلاقية أو سياسية… ؛  فمن حق الشعوب أن تعتز بلغاتها وتراثها وذاكرتها الجماعية، وأن تدافع عن حقوقها المشروعة ضمن إطار العدالة والمواطنة… ؛  غير أن الكارثة تبدأ عندما تتحول القومية إلى أيديولوجيا مغلقة ترى نفسها مركز الحقيقة المطلقة، وتنظر إلى الآخرين بوصفهم أقل شأنًا أو أقل استحقاقًا.

هنا تنتقل القومية من فضاء الاعتزاز المشروع إلى مستنقع الشوفينية.

والشوفينية ليست مجرد حب مفرط للجماعة التي ينتمي إليها الإنسان، بل هي تعصب أعمى يتغذى على شعور بالتفوق الأخلاقي أو العرقي أو التاريخي، ويبرر إقصاء الآخرين أو احتقارهم أو حتى الاعتداء عليهم… ؛  إنها الايدلوجية حين تفقد بوصلتها الأخلاقية، والقومية حين تنسى إنسانيتها.

فالشوفيني لا يسأل إن كانت جماعته على حق أو على خطأ؛ إنها، بالنسبة إليه، على حق دائمًا… ؛  يبرر أخطاءها، ويضخم فضائلها، ويعيد كتابة التاريخ بما يخدم سرديتها، بينما يختزل الآخرين في صور نمطية مشوهة، وينسب إليهم كل الشرور… ؛  وهكذا يصبح الضمير رهينة للهوية، وتتحول العدالة إلى امتياز خاص لا قيمة كونية.

لقد دفعت منطقتنا أثمانًا باهظة نتيجة هذا النمط من التفكير… ؛  فكم من حرب أشعلتها شعارات الهوية؟

وكم من وطن تمزق لأن أبناءه اقتنعوا بأن ما يجمعهم أقل أهمية مما يفرقهم؟

وكم من مشروع نهضوي سقط لأن الولاء للقومية أو الطائفة أو العشيرة تقدم على الولاء للإنسان والوطن؟

إن أخطر ما في الشوفينية أنها تتخفى غالبًا خلف شعارات نبيلة؛ فتتحدث باسم الكرامة القومية وهي تهين كرامة الإنسان، وتدّعي الدفاع عن الحقوق بينما تصادر حقوق الآخرين، وترفع راية الحرية وهي تمارس الإقصاء والتخوين والكراهية.

إن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء الهويات القومية أو إنكار الخصوصيات الثقافية، بل إلى تحريرها من نزعات التفوق والاستعلاء… ؛  فالوطن لا يُبنى على إنكار التنوع، وإنما على إدارته بعدالة… ؛  والانتماء الحقيقي لا يتناقض مع احترام المختلف، بل يكتمل به… ؛  أما الدين، في جوهره الأخلاقي، فقد جاء ليؤكد وحدة الأصل الإنساني وكرامة الإنسان، لا ليكون أداة لتبرير العصبيات الضيقة.

لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الأمم لا تنهض حين تتقاتل هوياتها، بل حين تتصالح مع ذاتها، وتؤمن بأن المواطنة عقد أخلاقي وسياسي يتسع للجميع… ؛  فالعربي والكردي والتركماني والآشوري والأرمني وسائر مكونات هذه الأرض، لم يكونوا عبر قرون طويلة شعوبًا تعيش في جزر معزولة، بل شركاء في صناعة الحضارة واللغة والأسواق والذاكرة والألم والأمل.

إن معركة المستقبل ليست بين قومية وأخرى، بل بين من يؤمن بالإنسان ومن يحوّل الهوية إلى سلاح… ؛  وليست القضية أن نحب قومياتنا، بل كيف نحبها: هل نحبها بوصفها جزءًا من الفسيفساء الإنسانية الكبرى  أو الوطنية الجامعة ، أم نحبها بطريقة تدفعنا إلى كراهية الآخرين؟

في اللحظة التي تتحول فيها الهوية القومية  إلى صنم، يصبح الإنسان قربانها الأول… ؛  أما حين تتحول إلى جسر للتعارف والاحترام المتبادل، فإنها تستعيد معناها الأسمى: أن تعرف من أنت، دون أن تنكر حق الآخرين في أن يكونوا ما هم عليه.فالأوطان لا يحميها التعصب، بل العدل… ؛  ولا تصنعها الكراهية، بل الشراكة… ؛  ولا تبني مستقبلها بإحياء غرائز الثأر والهويات القاتلة والعابرة للحدود ، وإنما بإعادة الاعتبار للإنسان والمواطن  بوصفه القيمة العليا التي يجب أن تنتصر على كل أشكال الشوفينية والعصبيات الضيقة