الوطنجية :  حين تصبح الوطنية تهمة وشتيمة ؟!

رياض سعد

*مقدمة

مرّت على أسماعنا عبر التاريخ مئات الشتائم والنعوت الجارحة، وعُيِّر الإنسان أخاه الإنسان بمختلف المثالب والموبقات؛ فمنهم من شتم بالفقر، ومنهم من عُيِّر بالجهل أو النسب أو المعتقد أو الانتماء… ؛  وقد اعتاد البشر، على اختلاف بيئاتهم وثقافاتهم، هذه السلوكيات التي قد تعكس خللًا في التربية، أو اضطرابات وعُقدًا نفسية، أو صراعات داخلية، أو انحلالًا أخلاقيًا، أو تمردًا على الضوابط الاجتماعية والقيم الإنسانية، بل إن بعض الناس بات ينظر إليها بوصفها سلوكيات اعتيادية لا تستحق الوقوف عندها... ؛ الى غير ذلك .

* انقلاب الموازين: من الشتائم التقليدية إلى التعيير بالقيم الوطنية والانسانية

غير أن العجب كل العجب أن يصل الانحدار الأخلاقي والفكري إلى مرحلة يُعَيَّر فيها الإنسان بمكارم الأخلاق، ويُشتم بسبب تمسكه بالقيم السامية، ويُستهزأ به لأنه يحب وطنه ويدافع عنه… ؛  هنا لا نكون أمام مجرد انحراف سلوكي عابر، بل أمام انقلاب خطير في منظومة القيم ؛ تصبح فيه الفضيلة موضع سخرية، والرذيلة مدعاة للفخر.

نعم , ليس أعجبُ من قومٍ يجعلون الوطنية سُبَّةً، والدفاع عن التراب مَعْيَبَةً، والانتماء للأرض مَثْلَبَةً .

في عالمٍ قُلِبت فيه بعض الموازين وتداخلت فيه المفاهيم … ؛  برزت ظاهرةٌ خطيرةٌ ومقيتةٌ تتجاوز في آثارها التخريبَ الماديَّ لتصل إلى تخريب الوجدان والوعي الجمعي؛ إنها ظاهرةُ الخونة والعملاء والذيول والحمقى والمنكوسين والمهجَّنين، الذين لم يكتفوا ببيع ضمائرهم للشرق والغرب… ؛  بل ذهبوا بعيداً في وقاحتهم حين جعلوا من “الوطنية” تهمة، وأخذوا يُعيّرون المواطنين الشرفاء بحبهم لأوطانهم، مستهدفين هدم الهوية الوطنية وتغييب الشعور بالانتماء.

إن هذا التحول السلوكي والنفسي والفكري والثقافي يعكس أزمة عميقة لدى الفئات التابعة؛ فحين يعجز المنكوس العميل أو “الذيل” أو التابع الذليل عن الارتقاء إلى مستوى الشرف الوطني، يحاول جاهداً شدّ الشرفاء إلى قاع انحطاطه، مستخدماً السخرية والتعيير كأداة دفاعية نفسية لتبرير خيانته وتبعيته  .

* انقلاب الموازين والانتماء الخارجي والعابر للحدود

إذ لم يكتفِ البعض بالتبعية والذيلية، والارتباط بالأجهزة والمخابرات والدول الخارجية بشتى الذرائع الدينية والطائفية والقومية والسياسية والدوافع الشخصية ؛ حتى راحوا يُنصبون العداء للقامات الوطنية والشخصيات الحرة، وينعتونهم بأحب الأوصاف إلى قلوبهم، وأشدها التصاقًا بشرف الإنسان وكرامته، ألا وهي الوطنية نفسها…؟!

وهكذا صار بعض المنكوسين في وعيهم، والمشوَّهين في فهمهم لمعنى الانتماء، يصفون كل من يتحدث عن الوطن أو يدافع عن حقوقه وحقوق مواطنيه بعباراتٍ تهكمية من قبيل: (الوطنجية)، أو يرددون على سبيل السخرية: (صاير براسنه وطنجي). بل إن الانحدار القيمي بلغ بالبعض أن يجاهر بعبارات أشد خطورة مثل: (انعل أبو الوطنية)، وكأن حب الوطن صار ذنبًا، والدفاع عن سيادته صار عيبًا، والغيرة على مصالح المواطنين أصبحت مدعاةً للاستهزاء.

والأدهى من ذلك أن بعضهم أخذ يصرح بلا خجل أو حياء قائلًا: (نحن لسنا بحاجة الى الوطنجية).

تظهر هنا أزمة الهوية والانتماء؛ فهؤلاء “المنكوسون” الذين تم تدجينهم لصالح أجندات خارجية، يحاولون صناعة ثقافة هجينة داخل المجتمع تحارب الروح الوطنية لكي يخلو لهم الجو، فيتحول الدفاع عن الوطن في قاموسهم الممسوخ إلى “تَهمة” تستوجب السخرية.

نعم، صار المنكوسون والمهجّنون والمدجّنون – الذين يأكلون من خيرات الوطن ويسخرون من حماة الوطن وأبنائه – يصفون كل من يتحدث عن الوطن أو يدافع عن حقوقه وحقوق المواطن بـ”الوطنجية” …!!

* تساؤلات الوعي وبناء الأوطان

إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل بغير الوطنيين الأحرار تُبنى الأوطان؟

هل شيّد الأممَ العظيمة خونةٌ باعوا ضمائرهم ومصالح شعوبهم؟

وهل حفظ استقلال الدول وسيادتها أولئك الذين فضّلوا أجندات الخارج على مصالح أبناء وطنهم؟

إن التاريخ الإنساني كله يجيب بالنفي.

فالأوطان لم يبنها إلا رجال ونساء آمنوا بها، وضحّوا من أجلها، وقدّموا مصلحتها على مصالحهم الشخصية… ؛  فالوطني الحقيقي ليس من يرفع الشعارات الجوفاء، بل من يصون المال العام، ويحترم القانون، ويدافع عن كرامة المواطن، ويرفض أن يكون وطنه ساحة مستباحة للغرباء والطامعين والاجانب والاعداء .

وهل تُبنى الأوطان بالخونة والذيول والحمقى والعملاء؟!

إن التاريخ لم يسجل قط أن أمةً نهضت على أكتاف الأجراء والعملاء والخونة والتابعين الاذلاء ؛ فالأوطان تُبنى بالدماء الوطنية والجهود المخلصة لأبنائها الأحرار، أما التابعون فلا يصنعون إلا الخراب والدمار لبلدانهم تلبية لرغبات أسيادهم.

نعم ,  إذا لم تكن الأوطان بحاجة إلى الوطنيين الأحرار، فبمن تُبنى إذن؟ وهل شُيِّدت الحضارات بسواعد الخونة والعملاء والذيول، أم بإرادة المخلصين الذين قدموا مصالح أوطانهم على مصالحهم الشخصية؟

إن الأوطان عبر التاريخ لم تنهض إلا بأبنائها الصادقين، ولم تُحمَ إلا بتضحيات الغيورين عليها، ولم تتقدم إلا حين تصدر المشهد رجال ونساء آمنوا بأن الوطن قيمة عليا ومسؤولية أخلاقية قبل أن يكون رقعة جغرافية أو حدودًا سياسية… ؛  أما الخيانة والتبعية والارتهان للخارج فلم تبنِ وطنًا يومًا، ولم تحفظ كرامة شعب، ولم تؤسس لمستقبل مستقر.

*تحريف المعاني وتزييف الوعي

وهكذا يتحول الوطن واسمه والدفاع عنه إلى سُبّة على ألسنة المنكوسين والعملاء والخونة والحمقى والبلهاء… ؛  فعلاً، صرنا في عصر يرى فيه المنكوسون والمهجّنون المنكر معروفاً والمعروف منكراً، والحق باطلاً والباطل حقاً , والوطني وطنجيا والتابع والعميل وطنيا  .. ,  وما عشت أراك الدهر عجبا!

إن جميع شعوب الأرض تحتفي بأوطانها، وتُجلّ أبناءها المخلصين، ، وتكرم الوطنيين الذين يدافعون عنها، وتنبذ الخونة والعملاء الذين يقدمون مصالح الآخرين على مصالح أوطانهم ومواطنيهم… ؛  أما أن يصبح الدفاع عن الوطن مدعاة للسخرية، وأن يجاهر البعض بازدراء الوطنية دون استنكار مجتمعي حازم، فذلك مؤشر خطير على عمق الأزمة التي نعانيها.

فحين يُستهزأ بهذه القيم السامية ، فإن ذلك لا يدل على قوة المستهزئ، بل يكشف عن أزمة هوية وخلل في منظومة الانتماء والولاء.

إن أخطر ما تصنعه ثقافة الاستهزاء بالوطنية أنها تعمل على هدم الشعور الوطني في نفوس الأجيال، وتُفرغ الانتماء من معناه، وتُطبع الخيانة بوصفها وجهة نظر، والتبعية بوصفها براغماتية أو عقيدة دينية ، والذيلية بوصفها ذكاءً سياسيًا… ؛  وعندما تُصبح الوطنية تهمة، والخيانة مجرد خيار، فإن المجتمع يكون قد دخل مرحلة خطيرة من التشوش الأخلاقي وفقدان البوصلة.

نعم , إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس وجود الخونة والعملاء والتابعين الاذلاء والحمقى والبلهاء  فحسب، بل أن تنقلب المعايير حتى يصبح الدفاع عن الوطن موضع سخرية، بينما يُمنح المبررون للتبعية والارتهان مساحةً للتأثير والتوجيه… ؛  عندها يتحول الوطن في خطاب بعض الجهلة والمنكوسين إلى سُبَّة، ويتحول الانتماء إليه إلى تهمة، ويصبح الإخلاص موضع ريبة، بينما تُزَيَّن الخيانة بأسماء وشعارات براقة.

*التحليل النفسي والاجتماعي لهذه الظاهرة

من منظور نفسي، تعكس هذه السلوكيات اضطرابات في التكوين النفسي لدى هؤلاء العملاء والخونة والتابعين الاذلاء ، تتمثل في شعور بالدونية، وعقدة النقص، وحاجة مرضية للانتساب إلى قوة خارجية لتعويض فشلهم الداخلي…

إن علماء النفس يتحدثون عن ظاهرة تُعرف بـ”انقلاب القيم”، حين يعجز الإنسان عن التوفيق بين سلوكه ومبادئه، فيلجأ إلى تشويه القيم النبيلة والسخرية منها لتبرير ضعفه أو تبعيته… ؛  فيتحول احترام الشرف إلى سذاجة، والاستقامة إلى تخلف، والوطنية إلى مادة للاستهزاء.

واجتماعيًا، هم نماذج للتحلل الأخلاقي حين يُصبح الخزي مَفخرة، والولاء للوطن جريمة.

وإن في تمسكهم بتشويه مفهوم الوطنية دليلاً قاطعًا على فراغهم الداخلي، وتخليهم عن أي ثوابت قيمية، وإعلانهم التبعية الكاملة لمن يمولونهم ويوجهونهم… ؛  إنهم يمارسون نوعًا من الهندسة العكسية للضمير، فيجعلون الفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة.

*حين يحاول المنكوسون التفريق بين الشيء ونفسه: صناعة “الوطنجي” وتشويه الوطنية

اعتاد أصحاب الخطاب المنكوس، ومن يدور في فلك التبعية والارتهان، على إلصاق الأوصاف والمصطلحات السلبية بأبناء الأغلبية والأمة العراقية، ثم العمل على تحويل تلك الأوصاف المصطنعة إلى حقائق اجتماعية راسخة عبر التكرار الإعلامي والبروباغندا والتلقين النفسي. ولم يكتفوا بإنتاج هذه الصور الذهنية المشوهة، بل أخذوا يدافعون عنها ويزينونها بحجج واهية وافتراءات لا تستند إلى منطق ولا إلى علم ولا إلى واقع.

وها هم اليوم يخوضون معركة عبثية مع أبسط البديهيات اللغوية، في محاولة مكشوفة لتشويه المعاني النبيلة وإفراغها من مضامينها الوطنية. فالوطني نسبة إلى الوطن، كما أن العراقي نسبة إلى العراق، والياء هنا ياء النسبة العربية المعروفة. غير أن هؤلاء المنكوسين عمدوا إلى إقحام صيغة عثمانية دارجة هي لاحقة “جي”، التي لا تنتمي إلى الفصحى العربية، بقصد تحويل الكلمة من وسام شرف إلى أداة ازدراء.

فكما أطلقوا على المنتمين إلى تيارات سياسية معينة توصيفات من قبيل “دعوجية”، راحوا يطلقون على أبناء الوطن الأحرار وصف “وطنجية”، لا لتمييز لغوي حقيقي، بل لإحداث انزياح نفسي ودلالي يجعل حب الوطن موضع تهكم وسخرية.

ولما افتُضح مقصدهم، حاولوا أن يفرقوا بين “الوطني” و”الوطنجي”، مع أن الأصل الدلالي واحد، وأن الاختلاف لا يتجاوز الصيغة اللفظية. وهنا تتجلى إحدى أخطر آليات الخطاب المنكوس: التفريق بين الشيء ونفسه بعد العجز عن مهاجمته مباشرة.

إنها الحيلة ذاتها التي عرفتها المجتمعات في أزمنة الانقسام؛ إذ يعجز الخصم عن الطعن في الفضيلة ذاتها، فيلجأ إلى تشويه اسمها، أو اختراع نسخة كاريكاتورية منها، ثم يشن حربه عليها، ليبدو وكأنه لا يعادي الأصل، بينما هو في الحقيقة يستهدفه من وراء ستار.

وقد قالوا في تعريف الوطني:

“هو مواطن صالح يقوم بدعم كل ما يخدم وطنه ومجتمعه عبر طرق مختلفة…؛ قد يكون ذلك من إتباع الأنظمة، إلى الإتقان في عمله مما يساهم في تطوير محيطه الاجتماعي وبالتالي تطوير وطنه، إلى دعم المنتجات والأعمال الصغيرة المحلية ومساعدتها على النمو والازدهار.”

وأكمل البعض قائلًا: “كما ترى مفهوم الوطنية يختلف من شخص لشخص، لكنه في نهاية الأمر مصطلح إيجابي في ذهن الكثيرين، لأنه يقوم بخدمة الوطن والمساعدة على خلق بيئة أفضل للجميع للعيش فيها.”

وقال آخر:”الوطنية مفهوم مرتبط بالولاء للدولة الوطنية والعمل لكل ما فيه خيرها، حيث إنه في السياسة الحديثة باتت الدولة هي المنظم لعلاقة المجتمع والشعب مع السلطة، وهي الكافل الحقيقي لسيادة الشعب على أرضه وازدهاره وتطوره.”

وبعبارة مختصرة: دولة قوية تعني شعبًا حرًا مستقلًا ومتطورًا.

ونحن لا نختلف مع هذه المعاني، بل نعدّها من صميم الوطنية ومقتضياتها الطبيعية. وإنما اعتراضنا ينصب على محاولة تشويه هذا المفهوم السامي من خلال تحريف لفظه وإلباسه ثوبًا هجائيًا بقصد النيل منه ومن حامليه.

فالبعض لا يستطيع التصريح بعدائه لشريحة اجتماعية بعينها، فيلجأ إلى الألقاب المشوهة والنعوت الاستفزازية. والبعض الآخر لا يجرؤ على إعلان خصومته الصريحة مع أبناء وطنه أو مع محيطه العربي، فيستعيض عن ذلك بتعابير من قبيل: “صفوي”، و”خميني”، و”ذيول”، و”عجم”… إلى غير ذلك من الأوصاف التي يراد منها نزع الشرعية الأخلاقية عن الخصم قبل مناقشة أفكاره.

ثم يقدمون تعريفاتهم الخاصة لكلمة “الوطنجي”، فيقول أحدهم:

(( نأتي الآن للوطنجية، هؤلاء أشخاص حرفياً يعانون من عقد نفسية ومستوى ذكاء منخفض ويرون أن إظهار حبهم لوطنهم يكون عبر الاستنقاص من الآخرين والتقليل منهم وشتمهم… ؛ كلامهم دائماً يكون قائم على استحقار الدول الأخرى وشعوبها، والتقليل من شأنهم سواء عبر الاستهزاء بأوضاعهم الاقتصادية أو السياسية أو تجريدهم من عروبتهم ونعتهم بعبارات مثل “برتقالي”، “شتات الرومان” وغيرها من العبارات التي يكون الغرض الرئيسي منها هو الاستنقاص من الشخص.

أذى الوطنجية ليس خارجي فحسب من تشويه صورة المجتمع وإظهاره بشكل نرجسي وفوقي، بل أيضاً هو سرطان اجتماعي داخلي… ؛ يقوم الوطنجي بالتحريض حتى على أبناء وطنه والمزايدة عليهم في الوطنية واستجلاب السلطة والتهديد بها عند أدنى خلاف.

أخيراً، كُن واعياً ولا تجعل الوطنجية ينجحو ويقومو برسم صورة ذهنية سلبية عن مجتمعٍ ما بحكم أن لهم حضور اعلامي كبير، لأنهم في النهاية أقلية ولا يمثلون الرأي العام حتى وإن حاولوا أن يُظهرو ذلك عبر حشد وطنجية مثلهم في صفحاتهم وحساباتهم الخاصة. ))

وقال آخر:

(الوطنجي لا يصل لهذا المفهوم السياسي الراقي بل يتمحور ولاؤه حول التطبيل للسلطة أو الفئات الحاكمة التي يرتبط بمصالح معها سواء أدارت الدولة بشكل صحيح أم لم تفعل ذلك، وغالبًا ما تمتد همروجة الوطنجيين للتطبيل للأمور التافهة والمقسمة للمجتمع بشكل عمودي كالطوائف والأعراق والأنساب، وغالبًا ما يستخدمون البروباغندا والأكاذيب للتطبيل للقضايا التي تخدم ولاءاتهم الضيقة.)

وقال ثالث:((لا فرق، لكن الوطنجي فيها نوع من الرياء والتفاخر، كأنه أكثر وطنية من الوطني.))

واللافت للنظر أن معظم هذه التعريفات لا تقوم على معايير علمية أو موضوعية منضبطة، وإنما هي إنشاءات انطباعية فضفاضة تخلط بين الوطنية والتعصب، وبين حب الوطن والنرجسية، وبين الدفاع عن الدولة والتطبيل للسلطة.

فكل ما ذُكر من صفات مذمومة ــ كالتعصب الأعمى، والتحريض، واحتقار الآخرين، والكذب الدعائي، والتكسب من السلطة ــ هي صفات مستهجنة بذاتها، سواء صدرت عن متدين أو علماني، أو قومي أو أممي، أو وطني أو غير وطني. وهي لا تشكل تعريفًا للوطنية، ولا تصلح أن تكون أساسًا لاختراع مصطلح جديد يراد به تشويه مفهوم أصيل ومتجذر في وجدان الأمم.

والأكثر إثارة للانتباه أن كثيرًا ممن يكتبون هذه المطولات لا ينشغلون بالدفاع عن الوطن وقضاياه الداخلية، ولا بتحسين أحوال المواطن، ولا بصيانة السيادة الوطنية، ولا بالاحتفاء بتاريخ البلاد وحضارتها، بقدر انشغالهم المستميت بالدفاع عن الدول والجهات الخارجية وتبرير أخطائها، وتقديم حساسيات الآخرين على مصالح وطنهم المباشرة.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى: فحين يصبح الدفاع عن الوطن تهمة، بينما يتحول الدفاع عن الخارج إلى فضيلة، فإن المشكلة لا تكمن في المصطلحات، بل في البوصلة الأخلاقية المختلة، وفي النفوس التي فقدت قدرتها على التمييز بين الانفتاح المشروع وبين الارتهان، وبين الموضوعية وبين التبعية.

إن الوطنية الحقة ليست عبادة للسلطة، ولا احتقارًا للشعوب الأخرى، ولا ادعاءً للتفوق الأخلاقي، وإنما هي إخلاص للوطن، وحرص على مصالح مواطنيه، وتمسك بسيادته وكرامته، مع احترام الآخرين وعدم الانتقاص من حقوقهم.

أما تحويل اسم الوطن إلى مادة للسخرية، وتشويه المنتسبين إليه بألقاب هجائية، فليس موقفًا نقديًا ناضجًا، بقدر ما هو محاولة نفسية وسياسية لتجريد الأمة من أحد أهم عناصر بقائها وتماسكها: الشعور الوطني.

وكما قال المثل العربي القديم: “أعرفها شنشنةً من أخزم.” فالألفاظ قد تتبدل، غير أن المقاصد تفضح أصحابها، وما تخفيه النفوس تظهره زلات الألسن واختيارات الخطاب.

*المواجهة والتحصين

إن هذه الظاهرة المشينة التي تحاول أن تجعل من الوطنية تهمةً يُعيّر بها المرء، لهي من أخطر ما يواجه المجتمعات السوية في مسيرتها نحو البناء والتقدم… ؛  فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل هوية وانتماء وتاريخ مشترك، ولا يمكن أن يُختزل في شعارات جوفاء يرفعها الأدعياء، بل هو تضحيات جسام يقدمها المخلصون من أبنائه البررة.

إن الطعن في الوطنية ليس إلا محاولة مكشوفة لهدم الركيزة الأساسية التي تجمع شتات المجتمع، وتوحد صفوفه في مواجهة التحديات… ؛  وإن أولئك الذين يسخرون من حب الوطن إنما يكشفون عن فراغ روحي وفكري وانتمائي يعانون منه، ويحاولون تعويضه بإسقاط شعورهم بالنقص على الآخرين… ؛ كما أنهم يكشفون بوضوح عن الأهداف والمتبنيات السياسية والثقافية  للجهات الداخلية أو الخارجية التي ترعاهم وتستثمر في وجودهم؛ فما هم إلا أصداء تردد ما يُملى عليها دون وعي أو استقلال، وأدوات طيّعة في أيدي الغرباء والأعداء، يُسخَّرون للنيل من الهوية الوطنية وتقويض روح الانتماء، حتى يغدو هدم الوجدان الوطني إحدى أخطر الوظائف التي يؤدونها خدمةً لمصالح لا تمت إلى الوطن بصلة.

إن الأوطان لا تحتاج إلى خونة يبررون ضعفهم بالسخرية من المخلصين، بل تحتاج إلى وطنيين أحرار، أصحاب ضمائر حيّة وقلوب صادقة، يؤمنون بأن حب الوطن ليس جريمة، وأن الدفاع عنه ليس تطرفًا، وأن الانتماء إليه شرف لا يضاهيه شرف.

فطوبى لمن بقي وفيًا لوطنه في زمن التبعية والذيلية والعمالة والخيانة والانبطاح ، متمسكًا بقيمه الوطنية  في زمن الانقلاب الأخلاقي، رافعًا رأسه عاليًا وهو يقول: إن الوطنية ليست تهمة… بل شرف الرجال والأمم.

إن السكوت على هذه الشرذمة التي تنفث سمومها لتدمير الانتماء الوطني لدى الأجيال الناشئة هو بمثابة رصاصة نطلقها على مستقبلنا… ؛  إن مواجهة ظاهرة “الذيلية” وظاهرة التعيير بالوطنية لا تكون بالصمت، بل بإعلاء صوت الحق، وإعادة الاعتبار للمفاهيم الوطنية السامية، والضرب بيد من وعي وفكر وقانون على أيدي كل من تسول له نفسه استنقاص هيبة الوطن أو النيل من شرف مواطنيه الأحرار… ؛  فالأوطان باقية، والعملاء إلى مزابل التاريخ يذهبون.

ومن هنا فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي إعادة الاعتبار لمعنى الوطنية، وترسيخ ثقافة الانتماء الصادق، واحترام كل من يدافع عن حقوق الوطن والمواطن، لأن الأوطان لا يحميها إلا أبناؤها المخلصون، ولا يبني مستقبلها إلا الوطنيون الأحرار… ؛  أما الخونة والعملاء والذيول، مهما ارتفعت أصواتهم أو كثرت شعاراتهم، فلن يكونوا يومًا صناع نهضة ولا حراس كرامة، لأن من يفرط بوطنه لا يستطيع أن يصنع له مجدًا أو مستقبلًا.

فالوطنية ليست تهمة، بل وسام شرف… ؛  وليست سُبَّة، بل أعلى مراتب الانتماء والمسؤولية… ؛  وحين يدرك المجتمع هذه الحقيقة، يعود كل شيء إلى موضعه الصحيح، ويُعرف الوطني بفضله، والخائن بخيانته، ويستعيد الوطن مكانته في القلوب والعقول.

نعم , إن الوطنية ليست شعارًا يُتغنى به، بل هي روح تنبض في دماء الأحرار…؛  والوطني الحق هو من يضع مصلحة ترابه فوق كل اعتبار، ويدافع عن سيادة وطنه وعزة مواطنيه بكل ما أوتي من قوة… ؛  أما الخائن والعمل والذيل، فهم مرضى النفوس، فاقدو البوصلة الأخلاقية، ممن باعوا أغلى ما يملكون (انتماءهم وهويتهم) بأبخس الأثمان.

*خاتمة

إن الوطنية ليست وصمة عار، بل هي أشرف الأوسمة؛ ومن يتبرأ منها فهو المتبرئ من جذوره، المنسلخ عن هويته، الضائع في دهاليز التبعية والخنوع والذل … ؛  ولبئس القوم قوم يقدسون الخيانة ويشوهون معنى العزة.

وإن من أعظم الواجبات الوطنية اليوم أن نُعيد الاعتبار لهذا المفهوم السامي، وأن نفضح هؤلاء العملاء وأدواتهم، وأن نُعلنها مدوية في وجوههم: نحن أوفياء لترابنا، أحرار بوطنيتنا، وسيبقى الخائن خائنًا وإن توشح بعشرات الشعارات الزائفة.

إن الوطنية ليست شعارًا أجوف، وليست تعصبًا أعمى، وليست كراهية للآخر… الوطنية الحقة هي الوفاء للأرض التي احتضنتنا، والإخلاص للشعب الذي ننتمي إليه، والدفاع عن سيادة الدولة وكرامة الإنسان، والعمل من أجل العدالة والحرية والازدهار.

فإذا مات الشعور الوطني، مات معه الإحساس بالمسؤولية، وضاعت الحدود بين الصديق والعدو، وبين المخلص والخائن، وبين من يبني ومن يهدم.

وسيبقى الوطن أكبر من تجار الشعارات، وأبقى من العملاء والذّيول، وأشرف من كل من حاول تحويل اسمه إلى سُبّة على الألسن… ؛  وستظل الوطنية وسام شرف لا تهمة، وفضيلة لا نقيصة، وقيمة سامية لا يعيبها إلا من فقد القدرة على التمييز بين الكرامة والارتهان.