جديد

الأمة بين الفكرة والتاريخ .. من مفهوم الأمة  في الفكر الغربي إلى إشكاليات بناء الأمة العراقية

رياض سعد

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (5)

* تمهيد: هل الأمة حقيقة أم اختراع سياسي؟

لعلّ من أكثر المفاهيم التباساً وإثارةً للجدل في الفكر السياسي الحديث مفهوم الأمة… ؛  فالأمة ليست حقيقة بيولوجية خالصة يمكن قياسها بالمختبرات، وليست مجرد خيال شعري ينسجه الأدباء والمؤرخون، وإنما هي بناء تاريخي وفلسفي وسياسي معقد، تتداخل في تشكله عناصر الجغرافيا واللغة والذاكرة الجمعية والمصالح الاقتصادية والسلطة السياسية والرموز الثقافية.

لقد سالت أنهار من الدماء باسم الأمة، وأُقيمت دول، وسقطت إمبراطوريات، وخيضت حروب عالمية تحت راياتها… ,  ومع ذلك، لم يتفق الفلاسفة وعلماء السياسة والاجتماع حتى اليوم على تعريف واحد جامع مانع لها.

وهنا يبرز السؤال المركزي: ما الأمة؟

وكيف نشأ مفهومها في الفكر الغربي؟

وهل يمكن إسقاط ذلك المفهوم على الحالة العراقية دون مراعاة خصوصياتها التاريخية والاجتماعية … ؛  أم أن العراق يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم الأمة ذاته؟

* أولاً: الأمة في الفكر الغربي (The Nation)

يرتبط مفهوم الأمة في الغرب ارتباطاً وثيقاً بولادة الدولة الحديثة، وبالتحولات العميقة التي شهدتها أوروبا منذ انهيار النظام الإقطاعي وصعود المركزية السياسية.

وقد شكّل  صلح وستفاليا (Peace of Westphalia)  سنة 1648 نقطة تحول مفصلية في التاريخ الأوروبي، إذ وضع الأسس النظرية والسياسية لما عُرف لاحقاً بـ الدولة-القومية (Nation-State).

فبعد قرون من الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، بدأت أوروبا تنتقل تدريجياً من عالم الإمبراطوريات الدينية العابرة للحدود إلى عالم الدول ذات السيادة المحددة جغرافياً.

ومن هنا أخذ مفهوم الأمة يكتسب ملامحه الحديثة.

* 1- المعيار السياسي والقانوني

وفق هذا التصور، تُعرّف الأمة باعتبارها جماعة بشرية تعيش داخل حدود سياسية واضحة، تخضع لسلطة مركزية واحدة، وتربط أفرادها منظومة من الحقوق والواجبات القانونية.

فالأمة هنا ليست رابطة دم، بل رابطة مواطنة.

ويصبح الفرد عضواً في الأمة لأنه مواطن يتمتع بحقوق سياسية متساوية ويخضع للقانون ذاته، ضمن إطار ما اصطلح عليه بـ العقد الاجتماعي (Social Contract) كما صاغه مفكرون مثل:

* توماس هوبز (Thomas Hobbes

* جون لوك (John Locke

* جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau).

وبذلك تصبح الشرعية السياسية مستمدة من إرادة المواطنين لا من التفويض الإلهي أو الانتماء القبلي.

إنها أمة القانون قبل أن تكون أمة العاطفة.

* 2- المعيار الإثني والثقافي

غير أن التجربة الأوروبية لم تكن واحدة.

ففي مقابل النموذج المدني الذي ارتكز على المواطنة، ظهر نموذج آخر رأى أن الأمة ليست مجرد عقد سياسي، وإنما كيان عضوي يتشكل عبر التاريخ.

وقد تجسد هذا التصور بوضوح في التجربة الألمانية.

فالأمة الألمانية، بحسب يوهان هيردر (Johann Herder)، تقوم على:

* اللغة المشتركة،

* الذاكرة التاريخية،

* الفولكلور،

* الروح الثقافية الخاصة بالشعب أو ما عُرف بـ (Volksgeist).

وبذلك تصبح الأمة أقرب إلى كائن حي ينمو عضوياً عبر الزمن.

أما المفكر الفرنسي إرنست رينان (Ernest Renan)، فقد حاول تجاوز الثنائية بين الدم والعقد، حين عرّف الأمة بأنها:

“استفتاء يومي” (Daily Plebiscite).

أي أنها إرادة مستمرة للعيش المشترك، تقوم على ما يتذكره الناس معاً، وما يختارون نسيانه معاً.

وهنا تغدو الأمة فعلاً أخلاقياً وإرادياً أكثر من كونها حقيقة عرقية جامدة.

* 3- العلمنة (Secularization) وفصل الدين عن الأمة

من أهم خصائص مفهوم الأمة في التجربة الغربية الحديثة عملية العلمنة (Secularization).

فبعد التجارب المريرة للحروب الدينية، اتجه الغرب إلى الفصل الحاسم بين الهوية الدينية والهوية الوطنية.

اذ أصبح الإنسان فرنسياً أو ألمانياً أو بريطانياً، بصرف النظر عن انتمائه الكاثوليكي أو البروتستانتي أو اليهودي.

فالدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن خلاصه الأخروي، بل عن التزامه بالقانون.

وبذلك تحولت الأمة إلى كيان دنيوي يقوم على:

* العقل السياسي،

* المصلحة القومية،

* السيادة،

* المواطنة.

ولم يعد الدين هو المحدد النهائي للانتماء السياسي.

* ثانياً: الأمة بوصفها “جماعة متخيلة” (Imagined Community)

في أواخر القرن العشرين، قدّم بندكت أندرسون (Benedict Anderson) واحدة من أكثر المقاربات تأثيراً.

فهو يرى أن الأمة ليست حقيقة طبيعية أو بيولوجية، وإنما:

“جماعة متخيلة” (Imagined Community).

والمقصود بذلك أن أفراد الأمة لن يعرف معظمهم بعضاً معرفة شخصية، لكنهم يتخيلون أنهم ينتمون إلى جماعة واحدة.

هذا التخيل لا يعني الوهم أو الزيف، بل يعني وجود منظومات رمزية تصنع الشعور المشترك، مثل:

* الصحافة،

* التعليم،

* اللغة الموحدة،

* المناهج الدراسية،

* الأعياد الوطنية،

* الرموز السيادية.

إن الأمة، وفق هذا التصور، ليست ما يولد به الإنسان فقط، بل ما يتعلمه ويتشربه ويتخيله.

* ثالثاً: العراق وإشكالية الأمة العراقية

إذا كان الغرب قد وصل إلى الأمة عبر مسار طويل من التراكم التاريخي والتجانس النسبي وبناء المؤسسات، فإن الحالة العراقية تبدو أكثر تعقيداً.

فالعراق ليس صفحة بيضاء رسمتها خرائط القرن العشرين فحسب، كما يذهب بعض اصحاب الخطاب التبسيطي، وليس أيضاً وحدة صلبة خالية من التناقضات.

نعم , إنه فضاء حضاري ضارب في القدم.

من سومر وأكد وبابل وآشور، مروراً بالعصور الإسلامية المختلفة، وصولاً إلى الدولة العراقية الحديثة، تشكلت في هذه الأرض طبقات متراكمة من الهويات والانتماءات.

ولهذا فإن السؤال العراقي لا يتمثل في وجود التنوع، بل في كيفية إدارة هذا التنوع.

* رابعاً: إشكاليات تطبيق مفهوم الأمة في العراق

*1- صراع الهويات الفرعية

تتداخل في العراق انتماءات متعددة:

* دينية،

* مذهبية،

* قومية،

* عشائرية،

* مناطقية.

وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه الانتماءات من روافد للهوية الوطنية إلى بدائل منافسة لها.

فيصبح الولاء للطائفة أو القومية أقوى من الولاء للدولة وللهوية الوطنية الجامعة .

*2- ضعف المواطنة

تعاني الدولة العراقية الحديثة من أزمة في إنتاج مفهوم المواطنة المتساوية.

فالمواطن كثيراً ما يجد نفسه مضطراً للجوء إلى:

* العشيرة،

* الحزب،

* الطائفة،

* الزعيم المحلي،

للحصول على حقوق يفترض أن تكفلها الدولة.

وحين تعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، تتضخم الهويات الجزئية تلقائياً.

* 3- التداخل بين الدين والسياسة

خلافاً للتجربة الغربية التي شهدت مساراً طويلاً من العلمنة، ما يزال الدين في العراق فاعلاً مركزياً في المجال العام.

وهذا ليس بالضرورة مؤشراً سلبياً؛ إذ يمكن للقيم الدينية أن تسهم في تعزيز التضامن الاجتماعي.

لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول الدين إلى أداة للصراع السياسي، أو حين تُحتكر الوطنية باسم التأويل الديني، أو يُستبعد جزء من المواطنين باسم الشرعية العقائدية او النعرات الطائفية والتكفيرية .

* 4- التدخلات الخارجية

إن هشاشة البناء الوطني جعلت العراق ساحة لتنافس المشاريع الإقليمية والدولية.

وحين تتعدد الولاءات العابرة للحدود، يصبح بناء أمة سياسية مستقلة أكثر صعوبة.

فالأمة لا تتشكل فقط عبر الذاكرة المشتركة، بل تحتاج أيضاً إلى إرادة سيادية مستقلة تحمي قرارها الوطني.

* خامساً: نحو مفهوم للأمة العراقية

ربما تكمن المعضلة العراقية في محاولة استنساخ النماذج الغربية كما هي، أو في المقابل الارتماء الكامل داخل الهويات ما قبل الدولة.

فالخيار الأول يتجاهل الخصوصية التاريخية والثقافية للعراق، بينما يقود الثاني إلى التفكك والانقسام.

ولعل المطلوب هو صياغة مفهوم عراقي للأمة، يقوم على المصالحة بين عناصر متعددة:

* الاعتراف بالتنوع بوصفه حقيقة تاريخية .

* ترسيخ المواطنة المتساوية بوصفها أساس الشرعية السياسية .

* حماية الخصوصيات الثقافية والدينية دون تحويلها إلى أدوات هيمنة .

* بناء ذاكرة وطنية مشتركة لا تقوم على الإقصاء .

* تعزيز سيادة الدولة ومؤسساتها بوصفها الإطار الجامع للجميع.

* خاتمة: الأمة العراقية: مشروع الضرورة التاريخية والسياسية

ليست الأمة العراقية شعاراً عابراً يُرفع في مواسم الأزمات، ولا ترفاً فكرياً يمكن الأخذ به أو تركه بحسب الأهواء والظروف السياسية، بل هي مشروع ضرورة تاريخية وسياسية وحضارية، وربما الخيار المصيري الوحيد القادر على إنقاذ العراق والعراقيين من دوامة الانقسامات والصراعات التي استنزفت الدولة والمجتمع على حد سواء.

فالأمة العراقية ليست فكرة مصطنعة أو بناءً نظرياً مفروضاً من الخارج، وإنما حقيقة تاريخية تشكلت عبر آلاف السنين من التفاعل الإنساني والحضاري على أرض العراق.

وإذا ما تأملنا مختلف التعريفات اللغوية والفلسفية والسياسية لمفهوم الأمة، القديمة منها والحديثة، سنجد أن كثيراً من عناصرها تنطبق على الحالة العراقية بدرجات متفاوتة؛ فهناك وحدة الأرض، ووحدة التاريخ، ووحدة المصير، والتراكم الحضاري المشترك، والذاكرة الجماعية التي صنعتها القرون الطويلة من التعايش والتفاعل والتحديات المشتركة.

ولا شك أن العراق يواجه اليوم تحديات كبيرة ومعقدة، تتعلق بالانقسامات السياسية والطائفية والقومية، وبالأزمات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية… ؛  غير أن وجود هذه التحديات لا يعني استحالة انبثاق الأمة العراقية أو صعوبة ترسيخها، بل على العكس تماماً؛ فكل الأمم الكبرى في التاريخ ولدت وتبلورت وسط الصراعات والتناقضات والتحديات… ؛  ولم تكن الأمة في أي مكان من العالم نتاج الانسجام الكامل أو التشابه المطلق بين أفرادها، وإنما كانت ثمرة إرادة جماعية نجحت في تحويل التعدد إلى وحدة سياسية، والاختلاف إلى مصدر قوة، والتنوع إلى عنصر إثراء وإبداع.

إن الأمم العظيمة ليست تلك التي تخلو من التعدد والاختلاف، بل تلك التي تمتلك القدرة على إدارة هذا التعدد ضمن إطار وطني جامع، يحفظ الخصوصيات ويؤسس في الوقت ذاته لهوية مشتركة ومصير مشترك… ؛  فالتنوع ليس نقيضاً للأمة، بل يمكن أن يكون أحد أهم مصادر قوتها متى ما تم استيعابه ضمن مشروع وطني جامع.

لقد استطاعت أوروبا، بعد قرون طويلة من الحروب الدينية والقومية والصراعات الدموية، أن تؤسس دولاً وطنية حديثة تستند إلى مفهوم المواطنة والهوية السياسية المشتركة… ؛  أما العراق فما يزال يخوض معركته التاريخية الكبرى: كيف يبني أمة سياسية حديثة من دون أن ينكر تعدده القومي والديني والمذهبي؟

وكيف يؤسس دولة مواطنة عادلة من دون أن يقتلع جذوره الحضارية والثقافية والدينية العميقة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في إنكار التنوع العراقي أو محاولة صهره قسراً، كما لا تكمن في تحويل الهويات الفرعية إلى بدائل عن الهوية الوطنية الجامعة… ؛  فالطائفة والعشيرة والقومية والمذهب والانتماءات المحلية يمكن أن تبقى مكونات طبيعية من مكونات المجتمع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى هويات سياسية متصارعة تتقدم على هوية العراق الجامعة.

ومن هنا فإن مستقبل العراق لا يتوقف على الإجابة النظرية المجردة عن سؤال: «من نحن؟»، بقدر ما يتوقف على الإجابة العملية عن سؤال أكثر إلحاحاً وأهمية: كيف نعيش معاً باعتبارنا عراقيين، رغم كل ما يختلف حوله العراقيون، ومن أجل كل ما يجمعهم من مصالح وآمال ومصير مشترك؟

لقد عرفت البشرية أمماً نشأت على أساس القرابة والدم، وأخرى تأسست على العقد السياسي والمواطنة، وثالثة تشكلت بفعل الإرادة الجماعية والتجربة التاريخية المشتركة… ؛  أما الأمة العراقية، فإن ولادتها القديمة واستمرارها مرهونان بقدرة العراقيين على تحويل تاريخهم المشترك، وآلامهم المشتركة، وتضحياتهم المشتركة، وآمالهم المشتركة، إلى إرادة وطنية مشتركة للحياة والبناء والنهوض.

إن الأمة العراقية ليست مجرد احتمال فكري بين احتمالات متعددة، بل هي ضرورة وجودية تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ والمصالح والمصير… ؛  فإما أن ينجح العراقيون في بناء أمتهم العراقية الحديثة بوصفها الإطار الجامع لجميع أبنائها، وإما أن يبقوا أسرى الانقسامات والهويات المتنازعة التي تستهلك طاقاتهم وتبدد فرص نهضتهم.

ولهذا فإن مشروع الأمة العراقية ليس مشروعاً سياسياً عابراً، بل مشروع بقاء ونجاة، ومهمة تاريخية تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع والأجيال القادمة… ؛  وكلما تأخر إنجاز هذا المشروع، ازدادت كلفة الانقسام وتعمقت الأزمات… ؛  أما إذا نجح العراقيون في ترسيخ مفهوم الأمة العراقية بوصفه أساساً للدولة والمواطنة والولاء الوطني، فإنهم سيكونون قد وضعوا الحجر الأساس لنهضة عراقية جديدة تستعيد دور العراق التاريخي وتعمل على استعادة الاراضي العراقية المحتلة وتمنح أبناءه فرصة العيش المشترك في ظل دولة عادلة وقوية ومستقرة.

إن الأمة العراقية ليست حلماً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية، وليست خياراً من بين خيارات عديدة، بل هي الشرط الأساسي لبقاء العراق وطناً موحداً وقادراً على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبله… ؛  وفي هذا المعنى تحديداً، تصبح الأمة العراقية مشروع القرن الحادي والعشرين للعراقيين جميعاً، وعنوان خلاصهم الوطني الأكبر.