خنساء الأنبار.. من القادسية إلى الصقلاوية
بقلم✍️: سعد احمد الكبيسي
شاهدت الفيلم الذي جاء من إنتاج الديرة، وإخراج عبد الله تركي، وتقديم سرور الدليمي، فوجدتني أمام عمل لا يكتفي بأن يشاهد، بل يدفعك إلى التأمل في معنى الفن حين يكون رسالة، وفي معنى المرأة حين تتحول من كائن موجوع إلى مدرسة في الصبر والإيمان.
وسأتكلم أولا عن تلك المرأة الصابرة، أم عدي، التي لم أجد غير الخنساء عكازا أتكئ عليه لأعبر مخاض الفكرة. والحديث عن الخنساء ذو شجون؛ فهي امرأة تأخذ بتلابيب القلب، ويخرس في حضرتها الكلام، وهي إحدى القلائل اللائي كأن بيتَي المتنبي قد فصلا على مقامهن تفصيلا:
ولو كان النساء كمن ذكرنا
لفضلت النساء على الرجال
فما التأنيث لاسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال
الخنساء لم تمت، وإن كثيرا من نسخها ما زلن يعشن بيننا، يقدمن أولادهن وهن صابرات محتسبات، ولسان حالهن: اللهم لك الحمد حتى ترضى.
نحن لم نر الخنساء وقد تلقت بصبر نبأ استشهاد أولادها الأربعة يوم القادسية، ولكننا رأينا أم عدي، خنساء هذا الزمان، تعلق على نبأ فقدان أولادها التسعة في الصقلاوية بقولها: الحمد لله.
يقول إرنست ليفي: ستبدأ الإنسانية بالتحسن عندما تأخذ الفن على محمل الجد كما تأخذ الفيزياء والكيمياء والمال.
وهنا تتضح الفكرة؛ فالفن الحقيقي ليس خصورا راقصة، ولا حناجر مطربة، ولا مسلسلات هابطة تستهلك الإنسان ولا تبنيه. الفن رسالة، ووعي، وتهذيب للذائقة، ونافذة تطل على أوجاع الإنسان وأسئلته الكبرى. وكثيرا ما يخلط الناس بين ما يتخذه البعض بابا للاسترزاق والانتشار، وبين فن يحمل رسالة أخلاقية وإنسانية سامية.
ومن هنا كان الحديث عن هذا الفيلم حديثا عن قيمة، لا عن مشهد عابر. فقد حمل العمل صدقا في الأداء، ووعيا في الفكرة، وعمقا في المعالجة، ورسائل تمس القلب والعقل معا.
عبد الله تركي بدا في هذا العمل مشروع مخرج واعد، يملك حسا بصريا جميلا، وقدرة على تحويل الفكرة إلى مشهد مؤثر دون صخب أو ابتذال. أما سرور الدليمي، فقد قدمت أداء صادقا ومؤثرا، لم يكن مجرد تقديم لمادة، بل حضور فيه إحساس ورسالة وموهبة تستحق التشجيع.
هذا هو الفن الذي نحتاجه في بناء الإنسان؛ فن يوقظ الضمير، ويربي الذوق، ويعيد ترتيب علاقتنا بالقيم الكبرى. فلا يمكن أن ننشر الوعي ما لم نؤمن بدور الفن الراقي في تهذيب الإنسان ونقله من الغريزة والأنانية والجشع إلى الإبداع الروحي والعطاء الوجداني.
إن خنساء الأنبار ليست حكاية حزن فقط، بل درس في الصبر، ومدرسة في الإيمان، ومرآة تكشف لنا أن الفن حين يقترب من الوجع النبيل، ويصوغه بصدق وجمال، يستطيع أن يصنع وعيا لا تصنعه الخطب الطويلة.