الاختلال البنيوي في مذكرات التفاهم: قراءة في فلسفة “التحفّظ الاستراتيجي” لدى السيد الخامنئي

شكر النابلسي

​شكلت الرسالة الأخيرة الصادرة عن قائد الثورة الإسلامية، السيد مجتبى الحسيني الخامنئي، بشأن مذكرة التفاهم بين رئاسة الجمهورية والإدارة الأمريكية، محدداً استراتيجياً بالغ الدقة في تاريخ الدبلوماسية الثورية؛ وهي رسالة لا يمكن تفكيكها بظاهر الأدوات السياسية العابرة، بل تقتضي غوصاً في فلسفة القرار القيادي الذي وضع فاصلاً بنيوياً عميقاً بين منح الإذن كإجراء قانوني ومؤسساتي صِرف يهدف إلى تسيير شؤون الدولة وضمان حركة المؤسسات في سياقها الطبيعي والدستوري، وبين الموافقة والرضا المغيبين تماماً عن وجدان النص وعقيدته. إن المرافعة السياسية الحقيقية لفهم هذا الموقف، وتنوير الجمهور بحقيقته، تنطلق من كشف طبيعة الطرف الآخر؛ فالولايات المتحدة في المنظور العقدي والسياسي للثورة هي قوة هيمنة واختلال، وطبيعة مذكرات التفاهم في العرف الدولي تُبنى على التكافؤ وتبادل الحقوق المشروعة بين طرفين، بينما أمريكا لا تملك أي حق مشروع في المنطقة أو في شؤون الأمة وجبهة المقاومة ليُعترف بها كطرف أصيل يُتفاهم معه، ومن هنا ينبع عدم رضا السيد القائد الجوهري، الذي يُثبت للقاصي والداني أن الموقف الشرعي في الجمهورية الإسلامية لم يرضخ ولن يرضخ لهذه الجلسات، وما زال مصراً على الشموخ والوقوف في وجه قوى الاستكبار.

​إن المرتكز الأول في فهم هذا الموقف القيادي يكمن في إعلان المفاصلة التامة مع خيارات الجهاز التنفيذي، لكي لا يُحسب هذا المسار على نهج الثورة الثابت، وقد تجلى هذا الرفض العقدي صراحة في العبارة المفتاحية الحاسمة التي قال فيها السيد: “كان لي رأيٌ آخرُ بطبيعة الحال”، وهو استشهاد يُمثل كبحاً فكرياً لأي محاولة لتسويق الاتفاق كإنجاز تاريخي أو مسار مبارك من القيادة العليا. فالإعلان عن وجود رأي آخر هو إدانة مبدئية لجدوى المراهنة على طرف واجه الأزمات عبر شتى أنواع أوراق الضغط انطلاقاً من حالة العجز، وتأكيد على أن طبيعة العدو الاستعلائية تجعل من أي وثيقة تُوقع معه مساراً محفوفاً بالخديعة التاريخية التي لا يمكن للقيادة أن تمنحها صك غفران أو رضا باطني، فالجمهورية الإسلامية في جوهر موقفها الشرعي والسيادي لم تتنازل عن ثوابتها، ولم تبرم هذا التفاهم من موقع القبول بوجود الخصم، بل من موقع القوة التي تدرك كذب وتلون هؤلاء الخصوم الذين لا يفهمون في موازين التاريخ إلا لغة السلاح والقوة.

​وهنا يبرز البُعد الأكثر عمقاً في تبرير الخطوة القيادية؛ فالإذن لم يكن تفويضاً مطلقاً للحكومة، بل كان تفويضاً مقيداً ومشروطاً بالكامل، تطلبه حرص القيادة على منح الإذن كإجراء قانوني ومؤسساتي لكي تمشي الإجراءات وتمشي المؤسسة الرسمية في سياقها الطبيعي دون تعطيل لصلاحياتها الدستورية، ومصحوباً في الوقت ذاته بإلقاء الحجة التاريخية والمستندية على الإدارة التنفيذية وسحب أي ذريعة قد تتذرع بها مستقبلاً، حيث يظهر ذلك بوضوح في ربط السيد القائد خطوته بالالتزام الذي قطعه رئيس الجمهورية الموقر وإعلانه الصريح تحمل المسؤولية.

إن استخدام السيد لعبارة “حسبما صرّح جنابه” يحمل دلالة سياسية بالغة الذكاء؛ فهو لم يتبنَّ وعود الحكومة، بل وثقها بلسان صاحبها ليكون الإذن بمثابة شرط جزائي صارم، فالسيد القائد لم يترك مساحة للدبلوماسية ويمنحها هذه الفرصة إلا وهو ممسك بيده القلم لتوثيق العهود وإقامة الحجة المؤسساتية، وبيده الأخرى السيف الجاهز لحماية السيادة وحفظ المكتسبات، مما يعني تلقائياً أن أي نكوص أو تراجع أو رضوخ للإملاءات التوسعية الأمريكية مستقبلاً، سيسقط مشروعية هذا الإذن ويجعل الحكومة في مواجهة مباشرة أمام الرقابة الشعبية والشرعية الصارمة.

​وفي المحصلة، فإن هذا التحرك الدبلوماسي المجرد من أي مظاهر الضعف، يوضح للرأي العام أن الجلوس على طاولة المفاوضات مستقبلاً هو اشتباك سياسي محكوم بسقوف سيادية عليا خطّتها دماء الشهداء وتضحيات الأمة الأبية، ولذلك جاء المصدّ القيادي الاستباقي حاسماً وقاطعاً في قوله: “بيد أنه من البديهي أن المفاوضات المباشرة التي ستنعقد في المستقبل، لن تعني بحالٍ من الأحوال الإذعان لرأي العدوّ”. إن القيادة بهذا التحديد تحرم الطرف الأمريكي من استثمار الاتفاق لفرض إملاءات جديدة، وتُفهم العالم أن الدبلوماسية الإيرانية تظل محاصرة بالثوابت، وأن الثبات على الشموخ والوقوف في وجه الكذابين هو الخيار الأصيل، لتبقى رسالة السيد مجتبى الخامنئي وثيقة تحفظ استراتيجي بامتياز؛ تركت فرصة للدبلوماسية من موقع القوة والقدرة لكي تسير المعاملات في إطارها التنظيمي، وانتزعت التعهدات المقيدة من الحكومة، وأبقت أمريكا في مربعها الحقيقي كعدو فاقد للمشروعية، لا يُوثق بعهده، ولا يفهم إلا لغة الاقتدار.

د.شكر النابلسي

١٩يونيو٢٠٢٦