تهافت الوعي المدّعى: عمار الحكيم ومغالطة تفكيك القوة الوطنية

شكر النابلسي

​تحت غطاء الخطاب المتأنق الذي يحاول تسويق نفسه بوصفه حراكاً نقدياً ووعياً متقدماً، يخرج علينا السيد عمار الحكيم بين الحين والآخر بطروحات سياسية وفكرية لا تعدو كونها مغالطات بنيوية صريحة، تنساق مع الجو الإعلامي والسياسي الراهن الساعي لتذويب الحشد الشعبي وتسقيطه وتضعيف مكامن القوة الإستراتيجية في الدولة العراقية. ولعلّ مقارنته الأخيرة في “منتدى الحكيم” بين مؤسسة الحشد الشعبي وقوات البيشمركة، ووضعهما في كفة ميزان واحدة تحت لافتة “السلاح السائب والمؤسسات غير الموحدة”، تُمثّل ذروة هذا الاشتباه الخطير الذي يقع فيه الرجل — بوعي أو دون وعي — ليتصادم تصادماً صارخاً مع وقائع الميدان وحقائق التاريخ والقانون، كاشفاً عن عجز بنيوي في قراءة معادلات القوة والسيادة الوطنية العميقة، وعن عدم إدراك وفهم للفوارق الموضوعية التي تفصل بين المؤسستين.

​إن هذا الإشكال المفاهيمي والجهل المركب الذي يؤسس عليه الحكيم خطابه، يتبدد تماماً عند تشريح بنية المقارنة المقلوبة عبر أربعة محاور جوهرية غابت عن وعيه أو تعمد القفز فوقها:

​أولاً: من حيث اختلاف النشأة والشرعية

إن الحشد الشعبي لم ينشأ بعيداً عن الدولة ولم يتشكل في مواجهتها، بل وُلد من رحم فتوى دينية مباركة هبّت لحماية وجود الدولة بكافة مكوناتها في اللحظة التي انهارت فيها مؤسسات الأمن التقليدية، ثم جرى تقنين وضعه بقرار برلماني رسمي (قانون رقم 40 لسنة 2016) ليصبح جزءاً أصيلاً وثابتاً من القوات المسلحة بعقيدة عسكرية مركزية متمحورة حول حماية حياض الوطن دون الانكفاء وراء جغرافيا قومية أو فئوية ضيقة. أما قوات البيشمركة، فرغم الاعتراف الدستوري بها، إلا أن جذورها التاريخية تعود إلى حركات قومية وسياسية سابقة على الدولة العراقية الحديثة، وما زالت تركيبتها تتأثر إلى حد كبير بالواقع الحزبي والعائلي داخل الإقليم، مما يجعل المساواة بين تجربة حامية للدولة وتجربة حامية لمكتسبات قومية وحزبية مغالطة تاريخية يسقط الحكيم في فخها.

​ثانياً: من حيث طبيعة الارتباط بالمركز الاتحادي

الحشد الشعبي مؤسسة رسمية منضبطة تخضع كلياً وبشكل مباشر لإمرة القائد العام للقوات المسلحة وبإشراف قيادة العمليات المشتركة، ولا تملك أي قطعة عسكرية فيه حرية التحرك أو شن عملية دون أوامر مركزية، ولم تسجل الذاكرة العراقية أن الحشد حرّك واحداً من فصائله ضد أي مكون أو حزب أو جهة سياسية داخلية، بل ما زال مرابطاً في ثغوره ودفاعاته التي حددتها له الدولة. وفي المقابل، يعترف السيد الحكيم بنفسه في ذات الجلسة دون أن يعي مآلات كلامه، أن البيشمركة منقسمة ومشتتة بين (١٠٠ عنصر لكاكا فلان و٢٠٠ عنصر لكاكا فلان)، مؤكداً الواقع الذي يثبت أنها جيوش عائلية وحزبية خاضعة لأمزجة القيادات في أربيل والسليمانية، ومستقلة تماماً عن مركز القرار العسكري والرقابي والمالي في بغداد، وتُستخدم في الصراعات الداخلية وفرض سياسات الأمر الواقع؛ فأي “باء” تجر هنا وأي “باء” لا تجر في قواعد أمثال السيادة؟

​ثالثاً: من حيث ضرورة التمييز بين الحشد والفصائل

يقع الحكيم في خلط أوراق متعمّد ومكشوف حين يقفز فوق التمايز الجوهري بين مؤسسة الحشد الشعبي الرسمية المنضبطة بقانون الدولة، وبين فصائل المقاومة. ففصائل المقاومة كيانات عقائدية أصيلة نشأت وقارعت الاحتلال وحمت الهوية قبل تأسيس الحشد بسنوات طويلة ووفق مساراتها الإستراتيجية الخاصة. وتحميل مؤسسة الحشد الرسمية مسؤولية ممارسات أو مواقف لا ترتبط بها مباشرة من الناحية القانونية والإدارية هو تزييف مقصود للحقائق، ومحاولة بائسة لإنتاج سردية أمنية مشوهة تخدم الأجندات الإقليمية التي تسعى لتفكيك المنظومة الدفاعية للعراق تحت عناوين التنظيم والحل والتدمير الممنهج لمحاور المقاومة.

​رابعاً: من حيث أهمية الدقة في الخطاب السياسي

إن تناول ملف حسّاس كالملف الأمني يتطلب غاية الدقة والمسؤولية الأخلاقية والتاريخية. فالحشد الشعبي يمثل بالنسبة لشريحة واسعة من العراقيين تجربة ارتبطت بمرحلة مواجهة الإرهاب وتقديم التضحيات الجسام، والاستخفاف بهذه الخصوصية التاريخية والاجتماعية عبر مقارنات عامة وسطحية ومقلوبة هو إساءة مباشرة لتاريخ من الدماء، ومحاولة لتسويق فكرة أن الحشد يمثل مشكلة أمنية تحتاج إلى ترويض، مما يفتح جرحاً لا مبرر له في نسيج العلاقة بين مؤسسات الأمن الوطني، ويستدرج المنظومة العسكرية الرسمية إلى ثنائيات صراع مصطنعة بين الجيش والحشد، في حين أن الحشد امتداد وظيفي مرن ومكمل لقدرات الجيش.

​إن هذا الاشتباه البنيوي والتهافت المفاهيمي في توصيف الحشد ليس المعلم الأول في مسيرة السيد عمار الحكيم المدّعاة بالثقافة والوعي، فالرجل يمتلك تاريخاً حافلاً بالمغالطات السطحية والمثيرة للجدل التي يحاول عبرها إيهام الجماهير بعمق معرفي بينما هي تنضح بالتهافت وفقدان الوزن الفكري؛ بدءاً من تبنيه لطروحات “الجندر” الوافدة والغريبة

عن الهوية الثقافية والدينية للمجتمع العراقي دون تمحيص أو فهم لأبعادها التفكيكية، وصولاً إلى أغرب أمثلته ومقارناته الفكرية الملتوية حين زعم في طروحاته السابقة أن من يدخل إلى البار ربما يكون أفضل ممن يدخل إلى المسجد، مسوغاً ذلك بأن داخل البار قد يكون فاسقاً في الظاهر لكنه دخل ليدعو الناس، بينما داخل المسجد قد يكون ظاهره الصلاح ولكنه دخل ليسرق (شحاطة أو نعال).

​إن هذه الأمثلة السطحية والمقارنات المقلوبة والمواربة الفكرية والمكياج الثقافي المزيف، تعكس خللاً بنيوياً مزمناً في أدوات التحليل واستخفافاً بالقيم العقلية والشرعية، وتكشف كيف تُساق المفاهيم وتُقلب الحقائق لتمرير مواقف سياسية وتنازلات تخدم تموضعه الراهن وبحثه عن مكاسب سياسية تحت غلاف إصلاحي. إن من يدّعي الفكر وقيادة الرأي لا يقع في فخ مساواة حامي الدولة بحامي الحزب والعائلة، وإذا كان الحكيم يطلق هذه الطروحات حول الحشد والبيشمركة من باب الوعي فتلك مصيبة تعكس استهدافاً مبطناً لإرث التضحيات، وإن كان يطلقها وهو لا يشعر فالمصيبة أعظم، لأنها تؤكد أن خلف لافتة الثقافة المدّعاة عجزٌ حقيقي ومطبق عن إدراك أبسط وقائع السيادة الوطنية ومكامن قوتها الإستراتيجية.

د.شاكر النابلسي

١٩يونيو ٢٠٢٦