جديد

الجيش العراقي بين التأسيس الاستعماري ووظيفة الهيمنة الداخلية : قراءة في الدوافع الطائفية والسياسية

رياض سعد

لم يكن تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى حدثًا وطنيًا خالصًا نابعًا من إرادة الأمة العراقية، بقدر ما كان نتاجًا لتوازنات استعمارية فرضتها بريطانيا عقب انهيار الدولة العثمانية.. ,  فالعراق الذي خرج من عباءة العثمنة لم يدخل مباشرة عصر الاستقلال، بل انتقل إلى شكل جديد من الوصاية السياسية والإدارية، أدارته بريطانيا عبر مؤسسات دولة ناشئة صيغت وفق مصالحها الاستراتيجية.

لقد كان الشيعة في مقدمة القوى الاجتماعية التي قاومت الاحتلال البريطاني.. , فبعد سنوات من المواجهة مع الدولة العثمانية وسياساتها التمييزية، لم يجدوا في الاحتلال البريطاني بديلاً وطنياً، بل عدّوه شكلاً آخر من أشكال الهيمنة الأجنبية. ومن هنا جاءت ثورة العشرين بوصفها واحدة من أكبر الانتفاضات الوطنية ضد الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، حيث تكبدت القوات البريطانية خسائر كبيرة أجبرتها على إعادة النظر في طريقة إدارة العراق.

غير أن بريطانيا لم تستجب لمطالب الأغلبية العراقية بإقامة نظام وطني مستقل يمثل مختلف مكونات المجتمع العراقي، بل لجأت إلى أسلوب أكثر دهاءً يتمثل في إنشاء دولة شكلية ذات سيادة محدودة.. ,  فجاءت بالملك الغريب فيصل الأول، وأحاطته بشبكة من الإداريين والضباط والسياسيين المرتبطين بالإدارة البريطانية أو المنحدرين من بقايا النخب العثمانية ورعايا الانكليز .. ؛  ومن هنا تشكلت “الحكومة الهجينة”، وهي حكومة استمدت شرعيتها الفعلية من الإرادة البريطانية أكثر مما استمدتها من الإرادة الشعبية العراقية.

وقد تشكلت هذه الفئة الهجينة من خليط سياسي واجتماعي ضم بقايا العثمنة الهجناء، وبعض النخب الوافدة من خارج البيئة العراقية، فضلاً عن شبكات المصالح التي رعتها سلطة الانتداب… ؛  لذلك لم تنظر قطاعات واسعة من العراقيين، ولا سيما الشيعة، إلى هذه الدولة بوصفها تعبيراً عن الأمة العراقية أو عن الهوية الوطنية الجامعة، بل باعتبارها امتداداً غير مباشر للهيمنة الأجنبية.

* الجيش العراقي: من مؤسسة وطنية مفترضة إلى أداة للضبط الداخلي

في هذا السياق ولد الجيش العراقي عام 1921.. ,  ومنذ اللحظة الأولى ثار الجدل حول طبيعته ووظيفته.. , فبينما قدمته السلطة بوصفه رمزاً للسيادة والاستقلال، نظر إليه كثير من المعارضين، وخاصة في الأوساط الشيعية، باعتباره أداة سياسية وعسكرية لحماية النظام العميل القائم أكثر من كونه مؤسسة وطنية جامعة.

ولهذا السبب برزت معارضة واسعة لمشروع التجنيد الإلزامي.. , ولم يكن رفض الشيعة للتجنيد الإجباري نابعاً من موقف ديني مجرد، كما حاولت بعض الروايات الرسمية تصويره، بل من قراءة سياسية لطبيعة الدولة نفسها.

فقد رأت المرجعية الدينية وقطاعات اجتماعية واسعة أن الجيش الذي يُبنى تحت إشراف بريطاني، ويخضع لسلطة حكومة هجينة غير ممثلة للأغلبية، يمكن أن يتحول إلى أداة قمع موجهة ضد المجتمع العراقي نفسه.

وقد زادت حدة التوتر بسبب العلاقة المتوترة بين المرجعية الشيعية والسلطات الملكية.. ؛ فالسيد محمد الصدر وغيره من رجال الدين البارزين كانوا يمثلون مراكز نفوذ اجتماعي مستقلة لا تخضع للإرادة البريطانية.. , وتشير العديد من الروايات إلى وجود توتر بين الإدارة البريطانية وبعض المرجعيات الدينية، الأمر الذي انعكس لاحقاً على علاقة الحكومات الملكية بالحوزة العلمية وأتباعها.

* الجيش والإبادة الداخلية

ومع مرور الزمن تحولت مخاوف المعارضين إلى وقائع ملموسة.. ؛ فبدلاً من أن يوجه الجيش العراقي جهوده نحو حماية الحدود والدفاع عن البلاد، وجد نفسه مراراً منخرطاً في صراعات داخلية ضد مكونات عراقية مختلفة.

ففي عام 1933 ارتبط اسم الجيش العراقي بمجزرة سميل التي استهدفت الآثوريين، وهي من أكثر الأحداث دموية في تاريخ العراق الحديث. وقد أصبحت تلك الحادثة نموذجاً مبكراً لاستخدام المؤسسة العسكرية في معالجة القضايا السياسية والاجتماعية عبر القوة المسلحة بدلاً من الحلول المدنية.

كما استخدمت الحكومات المتعاقبة الجيش في مواجهة الانتفاضات العشائرية والاحتجاجات الشعبية في مناطق الجنوب والفرات الاوسط  ذات الأغلبية الشيعية، حيث تحولت القوة العسكرية إلى وسيلة لفرض إرادة الدولة على المجتمع بدلاً من أن تكون أداة لحمايته.

أما في شمال العراق ، فقد شهد تاريخ الدولة العراقية سلسلة طويلة من العمليات العسكرية ضد الأكراد، امتدت من العهد الملكي إلى العهود الجمهورية اللاحقة.. , وقد بلغت هذه السياسات ذروتها خلال العقود المتأخرة من القرن العشرين عندما تعرضت مناطق كردية لحملات واسعة النطاق تركت آثاراً إنسانية واجتماعية عميقة.

كذلك لم يسلم الفيليون من سياسات التهميش والاقتلاع، إذ تعرضوا خلال مراحل مختلفة من تاريخ الدولة العراقية لإجراءات قسرية استهدفت وجودهم الاجتماعي والاقتصادي والسكاني.

* البعد الأنثروبولوجي للمسألة

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إن أزمة الجيش العراقي لم تكن أزمة مؤسسة عسكرية فحسب، بل كانت انعكاساً لأزمة تأسيس الدولة ذاتها.. , فالدولة التي قامت فوق انقسامات اجتماعية عميقة، ومنحت الامتيازات لفئات محددة على حساب الأغلبية، أنتجت جيشاً حمل في داخله التناقضات نفسها.

ولهذا لم يُنظر إلى الجيش لدى قطاعات واسعة من العراقيين بوصفه جيش الأمة، بل بوصفه جيش السلطة… ؛  وعندما تفقد المؤسسة العسكرية صفتها التمثيلية الجامعة، تصبح أكثر قابلية للتحول إلى أداة للهيمنة السياسية أو الطائفية أو القومية.

وإلّا بماذا يُفسَّر اقتحام الحرس الجمهوري وبعض قطاعات الجيش العراقي للأضرحة المقدسة، وإيقاع أفدح الأضرار بها، وسقوط المدنيين العزّل بين جدرانها وساحاتها؟!

 أهي أفعال جيش وطني وُجد لحماية الشعب وصيانة مقدساته، أم أفعال قوةٍ أُطلقت من عقالها الأحقاد السياسية والطائفية حتى باتت ترى في أبناء الوطن وأماكنهم المقدسة أهدافًا مشروعة للقوة والنار؟

إن الجيوش الوطنية تُعرَف بما تحميه، لا بما تدمره، وبما تصونه من رموز المجتمع، لا بما تنتهكه من حرمات ومقدسات .

* خاتمة

إن الجدل حول الجيش العراقي لا يتعلق بمجرد مؤسسة عسكرية، بل يرتبط بالسؤال الأعمق المتعلق بطبيعة الدولة العراقية الحديثة نفسها.. ,  فحين تتأسس الدولة على قاعدة الإقصاء والتمثيل الناقص، وحين تهيمن عليها فئة هجينة منفصلة عن المزاج الوطني العام، فإن مؤسساتها، بما فيها الجيش، تصبح معرضة للتحول من أدوات لحماية الأمة إلى أدوات لإخضاعها.

ومن هنا فإن فهم تاريخ الجيش العراقي يقتضي فهم السياق الاستعماري والسياسي والاجتماعي الذي ولد فيه، وفهم الكيفية التي جرى بها توظيف القوة العسكرية في كثير من الأحيان ضد الآثوريين والشيعة والأكراد والفيلية وغيرهم من مكونات المجتمع العراقي، الأمر الذي جعل تاريخ المؤسسة العسكرية جزءاً لا ينفصل عن تاريخ الصراع على الهوية والسلطة والشرعية في العراق الحديث.