حامد شهاب/ باحث إعلامي
تصاعدت في الإسبوعين الأخيرين حدة الخطاب الطائفي في المشهد السياسي العراقي وبقوة، تعيدنا الى ذكريات المربع الأول، وماشهده هذا الخطاب من حالات تصعيد وإحتراب ، كانت ساحته بعض الفضائيات، ووسائل تواصل أخرى ، وهو يشعل نيران غضب جماهيري لأن لغته منحطة وسمجة بل وقذرة أحيانا، ولا تتوافق مع الرغبة الجامحة للعراقيين في أن يغادروا لغة منحطة من هذا النوع ، سئمتها الأطياف والمكونات العراقية التي تبحث الآن عمن يوحدها ويزيد من لحمتها الوطنية وتماسكها الإجتماعي، لا أن يفرق جمعها من جديد ، ليزيد شروخها وآلامها سكاكين ودماءا تهدر بلا مبرر.
وبالرغم من أن الذنب في أغلب الأحوال لايقع على مقدمي البرامج ، بل على ضيوفهم من بعض السياسيين ومن محللي الصدفة ، الذين لايكتفون في لغة التصعيد الطائفي المقزز وتهييج الشارع العراقي، بل وتراهم وهم يهددون المكون الآخر كل يوم ، ويستخدمون أبشع لغة السباب والتخوين ولغة التهديد المنحطة ، وهم معتادون عليها ولم يحاسبهم أحد عليها ، وللاسف فإن أسماؤهم رنانة ومعروفة، ولم يعاقبوا يوما ، ويتحدون من يعاقبهم، ويظهرون بكثرة على الفضائيات يصولون فيها ويجولون، ويعدون السباب والشتائم والإنتقاص من المكون الآخر (مكسبا) يحقق لهم شهرة مزيفة،لاتقل خطورة عن شهرة بعض الفانشستات ممن يبحثن عن الشهرة بأية طريقة ، حتى لو كان المحتوى الذي يقدمنه هابطا وسحيقا ، الى الدرجة التي راح الجمهور ينفر منها ، لشدة ما يتضمنه هذا المحتوى الهابط من مخاطر على الذوق والسلم المجتمعي على حد سواء.
ومما يدعو للرثاء والأسى والأسف إن بعض السياسيين العراقيين التابعين لجهات سياسية متنفذة ويظهرون بصفة محللين سياسين أو مراكز بحثية ، نجد أن بعضهم غارقون في إثارة لغة الخطاب الطائفي الى أعلاه، وهم ما يزالون يمارسون هذا الخطاب النشاز المقزز ، يساعدهم بعض ممن دخلوا الى ساحة التحليل في البرامج الحوارية ، ممن يريد الحصول على أعلى حالات التأثير وزيادة حالات الإحتقان بين الجمهور ، إعتقادا منه أنه سيحصل على أعلى درجات الإثارة ، ومن تكون له (الحظوة) بين أتباعه في هذا الخطاب المؤجج.
ومن المتعارف عليه أن أكثر من 90 % من العراقيين راحوا ينبذون الخطاب التصعيدي الطائفي وينفرون منه وممن يردده ، بل ويلعنون صاحبه ، ويعدونه أحد أهم أسباب تدهور الوضع السياسي العراقي ، ووصول أحوال بلدهم الى منحدرات خطيرة ، وهم يوجهون اللعنات على كل من يوغل في هذا الخطاب التصعيدي الإنفعالي الرخيص ، ويجد له منهجا يوافق أحلامهم الشريرة في تهييج الشارع العراقي ليكون الطرف الآخر في المواجهة معه وهم ، أي بعض المحللين الطارئين على المهنة أو من أتباع دول أخرى ، ممن يجد ضالته في مثل تلك الخطابات التي تستعر نيرانها في بعض الفضائيات ، وتعود على الشارع العراقي بالغضب والإستياء .
وما يدعو للاسف، فإنه بالرغم مما تبذله هيئة الإعلام والإتصالات من جهود كبيرة في تحريم ونبذ الخطاب الطائفي في الفضائيات ، وتعاقب من يقدم عليه بالحرمان من الظهور الاعلامي لفترات ، إلا أنه لاتزال لغة التصعيد تظهر واضحة كل يوم ، وكأنها تتحدى أعلى الجهات المسؤولة ، وما يزال خطابها التأجيجي يتداول في الفضائيات ومواقع السوشيال ميديا ، وتكون الضحية في أغلب الأحوال القنوات الفضائية الذين لاذنب لمحاوريهم في بعض الحالات في تأجيج الشارع،بل أن ضيوفهم هم من يتعمدون إستخدام لغة الخطاب الطائفي ، ويحاول بعض محاورينا إيقافهم ، لكنهم يعاودون لغة التصعيد ، وبل ويمعنون في إشعال نيرانها المحرقة ، حتى وإن إحترق بلظاها الشارع العراقي وإكتوى بنيرانها ، وعانى من ويلاتها الكثير.
وأمام حكومة الزيدي ، وهيئة الإعلام والإتصالات هي الأخرى، أن تتابع بجدية ما يروج في الفضائيات ، من سياسيين وممن يظهرون كمحللين سياسيين ، تمادوا مؤخرا في الخطاب الطائفي التصعيدي ، بل وأمامها فرصة سانحة بأن لا تتسامح مع مروجي هذا الخطاب المدمر،وأن لاتستهدف فقط فضائيات بعينها أو محاوريها ، الذين لاذنب للكثير منهم في التهييج الطائفي ، وأن لاتكون العقوبات على طرف أو طيف أو مكون أو قناة واحدة، بل أن العقوبة تشمل الجميع ، حتى وإن إرتبط هذا الخطاب بجهة سياسية لها وزنها ، فهي أيضا مسؤولة عن صاحبها الذي تركته يمعن في لغة التهييج الطائفي المقززة ، ولا تحاسب من كان يمثلها أو يدعي أنه قريب منها ، وهو يرى أنه (محمي) مادام يدافع عنها ، وإن منع لفترة ، فسيعاود الظهر مجددا في وقت قريب.
الخطاب الطائفي يعود بقوة الى المشهد السياسي العراقي